آثار قيم الإسلام الخلقية في حياة الصحابة رضي الله عنهم (2- 11).

 

ومما ورد في فضل الصحابة في السنة :

1– عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير القرون قرني , ثم الذين يلونهم , ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه , ويمينه شهادته (1)" .

الحديث فيه فضل قرنه عليه الصلاة والسلام , وهم صحابته , وأنه لا يأتي بعدهم – في جملتهم – من هو مثلهم في فضلهم وبذلهم وجهادهم وكثرة الخير فيهم .

2- عن أبي مسعود الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصفيه (2)".

فيه فضل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم , وتحريم سبهم, وأن غيرهم لو أنفق مثل جبل أحد ذهبا , ما بلغ ثواب ذلك ثواب نفقة أحدهم مدا أو نصف مد" لأن نفقتهم كانت وقت الضرورة وضيق الحال , وكان إنفاقهم في نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمايته , هذا مع ما كان في أنفسهم من الشفقة والخشوع والتواضع والإيثار (3).

3- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يأتي على الناس زمان فيغزوا فئام(4) من الناس , فيقولون : فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون : نعم , فيفتح لهم . ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال فيكم من صاحب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون : نعم فيفتح لهم . ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس , فيقال : فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم (5)" .

فيه فضل الصحابة , والإشارة إلى قوة إيمانهم وصدقهم حيث ييسر الله تعالى الفتح لمشاركة بعضهم في الجيش الغازي , وكذلك فضل من صحبهم أو صحب من صحبهم .

4- عن أبي موسى الأشعري(6)رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد , وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون , وأصحابي أمنة لأمتي , فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون (7)" .

في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمان لأصحابه من الفتن واختلاف القلوب , ونحو ذلك , وكذلك الصحابة رضوان الله عليهم أمان لمن بعدهم من ظهور البدع في الدين ونحو ذلك(8), وفي هذا ثناء عليهم بفضلهم, وكمال نصحهم للأمة فرضي الله عنهم وأرضاهم .

وأما ما أثر عنه عليه الصلاة والسلام في فضل جماعة منهم أو بعض أفرادهم فكثير جدا , في الصحيحين وغيرهما . كما قال عليه الصلاة والسلام " لعل الله أطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم(9)". وقال : الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن , ولا يبغضهم إلا منافق . فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله(10)" .

وقد وصف عبد الله بن عمر(11)رضي الله عنه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : من كان مستنا فليستن بمن قد مات , أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم , كانوا خير هذه الأمة , أبرها قلوبا , وأعمقها علما , وأقلها تكلفا , قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم , ونقل دينه , فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم , فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم , كانوا على الهدى المستقيم , والله رب الكعبة(12)

عدالة الصحابة :

أجمع أهل السنة على عدالة(13) الصحابة رضي الله عنهم , لثناء الله تعالى عليهم في كتابه, وثناء رسوله صلى الله عليه وسلم , ومدحه لهم , وقد سبق ذكر شيء من ذلك .

قال ابن الصلاح(14): إن الأمة مجمعة على تعديل الصحابة ومن لابس الفتن منهم فكذلك, بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع(15) .

وقال الخطيب(16) :عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله تعالى لهم, وإخباره عن طهارتهم, واختياره لهم في نص القرآن , فمن ذلك قوله تعالى:(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [ آل عمران:110] وقوله: (كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [ البقرة:143] في آيات يطول تعدادها , ووصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة مثل ذلك , وأطنب في تعظيمهم , وأحسن الثناء عليهم(17) .

 وقال الحافظ ابن حجر : اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة(18).

وممن نقل الإجماع على عدالتهم , ابن عبد البر , والنووي , وابن كثير وغيرهم(19). 


 

(1) متفق عليه ابن حجر – فتح الباري (7 /3 ).النووي شرح صحيح مسلم (5 /393 ) قال النووي : قال القاضي : اختلفوا بالمرا بالقرن هنا , فقيل : قرنه أصحابه , والذين يلونهم أبناؤهم , والثالث أبناء أبنائهم , وقيل القرن كل طبقة مقترنين في وقت . وذكر بعضهم الاختلاف في قدره بالسنين , قال الحسن , القرن عشر سنين , وقتادة سبعون , والنخعي أربعون . قال النووي : والصحيح أن قرنه صلى الله عليه وسلم الصحابة , والثاني التابعون , والثالث تابعوهم " شرح صحيح مسلم (5 / 392-393 ) باختصار. وما صححه النووي هو اختيار الحافظ ابن حجر المرجع السابق ص6 وقوله في الحديث " تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته " ذم لمن يشهد ويحلف مع شهادته أي يجمع بينهما . النووي المرجع السابق ص 393 .

(2) رواه البخاري ومسلم , واللفظ لمسلم ولكن رواه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . قال النووي : هذا وهم والصواب من حديث أبي سعيد , وكذا قال الحافظ . انظر الحافظ ابن حجر –  فتح الباري (7 / 21 – 35 ).

النووي شرح صحيح مسلم (5 / 400).

(3) النووي , المرجع السابق (5 / 401 ).

(4) فئام : أي جماعة , المرجع السابق (5 / 391)

(5) متفق عليه , واللفظ للبخاري . ابن حجر فتح الباري (7 /3 ). النووي شرح صحيح مسلم (5 / 391 ).

(6) هو عبد الله بن قيس بن سليم , أبو موسى الأشعري , صحابي مشهور من فقهاء الصحابة . مات سنة 50 ه وقيل بعدها .

سير أعلام النبلاء( 2/ 380 ).  الإصابة( 2  /351 ). تقريب التهذيب  ص318 .

(7) رواه مسلم , النووي شرح صحيح مسلم (5 / 390 – 391 )

(8) انظر النووي , المرجع السابق (5 /391 ).

(9) متفق عليه , ابن حجر – فتح الباري (7 / 305 ). النووي شرح صحيح مسلم (5 / 363 ).

(10) متفق عليه . ابن حجر – المرجع السابق (7 /113 ).النووي – المرجع السابق (1 /261).

(11) عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي ألعدوي , الإمام القدوة , كان من أشد الناس إتباعا للأثر , كثير المناقب , مات سنة 73 ه .

سير أعلام النبلاء( 3/203 ).  الإصابة( 2/1338  ).

(12)  أبو نعيم الأصبهاني – حلية الأولياء (1 / 305 – 306 ).دار الكتاب العربي , ط3 سنة 1405 ه .

(13)  العدالة كما قال الغزالي : عبارة عن استقامة السير والدين , ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا حتى تحصل ثقة النفوس بصدقة . المستصفى (1 /107 ).

(14) هو عثمان ابن عبد الرحمن بن عثمان النصري الكردي , أبو عمرو المعروف بابن الصلاح , أحد الحفاظ مات سنة 643 ه .

سير أعلام النبلاء (23 / 130 ).

(15)  ابن الصلاح – مقدمة ابن الصلاح ص417 , دار الكتب العلمية – بيروت , 1398 ه.

(16)  هو أحمد بن علي بن ثابت البغدادي , أبو بكر, المعروف بالخطيب البغدادي أحد الحفّاظ, مات سنة 463 ه.

(17) الخطيب البغدادي – كتاب الكفاية في علم الرواية ص 93 – 94 , دار الكتب  الحديثة – القاهرة ط2 .

(18)  ابن حجر .  الإصابة  (1 /17 ).

(19)  انظر : ابن عبد البر , الاستيعاب في معرفة الأصحاب - بهامش الإصابة  (1 /2 ).

   - النووي , شرح صحيح مسلم (5 /242) أحمد شاكر , الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص181 دار الكتب العلمية – بيروت .  

 

 

أضف تعليق

كود امني
تحديث



بحث عن بحث