بحث عن بحث

المبحث الثالث: التحليل اللفظي للحديث

ج ـــ ترجمة معاذ بن جبل رضي الله عنه ترجمة مختصرة :

- هو الصحابي الجليل، الإمام الفقيه، أبو عبد الرحمن، معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الخزرجي المدني البدري رضي الله عنه.

- أمه هي هند بنت سهل، من بني رفاعة.

- كان طويلاً، جميلاً، حسنًا.

- شهد العقبة مع السبعين، وشهد بدرًا وله عشرون سنة.

- من أعلم الصحابة بالقرآن، وبالحلال والحرام، فقد روى أحمد وغيره، عن أنس مرفوعًا: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياءً عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، وأفرضهم زيد، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة«(1).

- بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن معلمًا ومفتيًا وقاضيًا، يرشد الناس ويوجههم ويدلهم على الحلال والحرام، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ لا زال في اليمن، ورجع في خلافة أبي بكررضي الله عنه:

- أصيبت بلاد الشام بالطاعون ومعاذ بها، فأصيب هو وابنه وبنتاه.

- مات رضي الله عنه سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة، وهو ابن ثلاث وثلاثين أو أربع وثلاثين، رضي الله عنه وأرضاه.

د ـــ قوله: «قال رسول الله صلى الله عيه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن«.

هكذا في رواية البخاري في موضعين، وكذا عند النسائي، وابن ماجه.

وجاء في رواية أخرى للبخاري: «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا إلى اليمن فقال له«.

وهكذا في رواية عند مسلم، وعند أبي داود، والترمذي، وأحمد وابن خزيمة، إلا أنه زاد فيها: «واليًا»، كما سبقت الإشارة إليه في موضعه، والطبراني، والدارقطني، والبيهقي، والبغوي. وجاء في رواية للبخاري -أيضًا-: «لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى نحو أهل اليمن قال له»، وهكذا -أيضًا- في رواية عند الدارقطني.

ومن خلال هذه الصيغ يتبين أنه لا فرق بين الأولى والثانية، إلا أنه في رواية ابن خزيمة نص على أنه بعثه واليًا، وسيأتي بحث هذا بعد قليل-إن شاء الله-.

أما الرواية الثالثة فتفترق عن الروايتين اللتين قبلها بأنه قال:

»نحو أهل اليمن»، فقد جعل بعثه نحو أهل اليمن وليس إلى اليمن كما في الروايتين.

قال الحافظ ابن حجر : «قوله: «لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى نحو أهل اليمن» أي: إلى جهة أهل اليمن، وهذه الرواية تقيد الرواية المطلقة بلفظ: «حين بعثه إلى اليمن»، فبينت هذه الرواية أن لفظ اليمن من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أو من إطلاق العام وإرادة الخاص، أو لكون اسم الجنس يطلق على بعضه كما يطلق على الأمر كله، والراجح أنه من حمل المطلق على المقيد، كما صرحت به هذه الرواية.

وقد تقدم في باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن في أواخر المغازي من رواية أبي بردة بن أبي موسى، وبعث كل واحد منهما على مخلاف(2)، قال: «واليمن مخلافان«.

وتقدم ضبط المخلاف وشرحه هناك، ثم قوله: «إلى أهل اليمن» من إطلاق الكل وإرادة البعض؛ لأنه إنما بعثه إلى بعضهم لا إلى جميعهم، ويحتمل أن يكون الخبر على عمومه في الدعوى إلى الأمور المذكورة، وإن كانت إمرة معاذ إنما كانت على جهة من اليمن مخصوصة». ا.ه(3).

وقد يسأل سائل: وما تلك الجهة؟ يجيب عن ذلك ابن حجر في موضع آخر من الفتح، فيقول: «وكانت جهة معاذ العليا إلى صوب عدن، وكان من عمله الجند-بفتح الجيم والنون- وله بها مسجد مشهور إلى اليوم، وكانت جهة أبي موسى السفلى«(4).

هـ ـــ تاريخ بعث معاذ إلى اليمن:

      اختلف العلماء في تاريخ بعث معاذ إلى اليمن على عدة أقوال:

القول الأول: أنه بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن سنة عشر من الهجرة، قبل حج النبي غ. أشار إلى هذا الإمام البخاري : في كتاب المغازي، قال: «باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع«(5).

قال ابن حجر :: «وكان بعث معاذ إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبي غ، كما ذكره المصنف في أواخر المغازي«(6).

وهو ما أشرت إليه.

وقد ذكر ابن كثير بعث معاذ إلى اليمن ضمن حوادث السنة العاشرة(7).

القول الثاني: أنه كان في سنة تسع من الهجرة، عند انصراف النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك، ذكر ذلك ابن حجر في الفتح، وعزاه للواقدي، ورواه عنه ابن سعد في الطبقات، قال: «قال محمد بن عمر: وذلك – أي: بعث معاذ إلى اليمن- في شهر ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة«(8).

القول الثالث: أنه كان في سنة ثمان من الهجرة، أشار إلى هذا ابن كثير في البداية والنهاية، قال: «وقد رواه أبو ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عبدالرحمن بن مالك، فذكره، إلا أنه قال: حتى إذا كان عام فتح مكة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على طائفة من اليمن أميرًا، فمكث حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم«(9).

وقد أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح، قال: «وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان«(10).

وبعد: فالذي يظهر لي أن بعثه رضي الله عنه كان سنة عشر من الهجرة.

قال ابن كثير بعد عرضه للقول الثالث: «قال البيهقي: وقد قدمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلفه بمكة مع عتاب بن أسيد ليعلم أهلها، وأنه شهد غزوة تبوك، فالأشبه أن بعثه إلى اليمن كان بعد ذلك«(11).

وقد اتفقوا على أنه لم يرجع من اليمن إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ ابن حجر: «واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام فمات بها«(12).

قال ابن كثير: «والصحيح أنه لم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك«(13).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3) أخرجه الإمام أحمد في المسند (2/ 184)، وغيره.

(2) أي: في كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع (8/60)، برقم: (4341)، (4342)، ونصه: عن أبي بردة قال: بعث رسول الله غ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف، قال: واليمن مخلافان... الحديث.

قال ابن حجر في الفتح (8/ 61): (المخلاف - بكسر الميم وسكون المعجمة وآخره فاء - هو بلغة أهل اليمن، وهو الكورة والإقليم والرستاق- بضم الراء، وسكون المهملة بعدها مثناة وآخرها قاف).

(3) ينظر: فتح الباري (13/ 348).

(4) المصدر السابق (8/ 61).

(5) المصدر السابق (8/ 60).

(6) المصدر السابق (3/358).

(7) ينظر: البداية والنهاية (5/ 99).

(8) ينظر: طبقات ابن سعد (3/ 548).

(9) ينظر: البداية والنهاية (5/ 102، 103).

(10) ينظر: الفتح (3/358).

(11) ينظر: البداية والنهاية (5/ 103).

(12) ينظر: الفتح (3/358).

(13) ينظر: البداية والنهاية (5/ 102).