بحث عن بحث

المبحث الثالث: التحليل اللفظي للحديث

و ـــ هل كان معاذ ا والياً أو قاضياً؟

قال ابن حجر :: «واختلف هل كان معاذ واليًا أو قاضيًا؟ فجزم ابن عبدالبر بالثاني، والغساني بالأول»(1). وقال ابن عبد البر: «وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضيًا إلى الجَنَد باليمن، يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن«(2).

أقول: ولعل الفرق بين المهمتين في ذلك الوقت ليس كبيرًا، حيث اتفق على أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلم الناس الإسلام، ويرشدهم إليه، ويقضي بينهم فيما يتنازعون فيه.

ز ـــ اليمن:

اليمن- بالتحريك- هي: الجزء الواقع في الجنوب الغربي من شبه الجزيرة العربية.

قال الأصمعي: اليمن وما اشتمل عليه حدودها بين عمان إلى نجران، ثم يلتوي على بحر العرب إلى عدن. ا.هـ.

ولا شك أن الحدود الجغرافية في الوقت الحاضر تغيرت عما كانت عليه سابقًا.

والنسبة إليها يمني، أو يماني مخففة، قال سيبويه: وبعضهم يقول: يماني، بتشديد الياء.

قال الشرفي: «إنما سميت اليمن لتيامنهم إليها، قال ابن عباس: تفرقت العرب، فمن تيامن منهم سميت اليمن«(3).

3- قوله: «إنك ستأتي قومًا أهل كتاب«.

أ- هكذا في رواية البخاري في مواضع، ورواية مسلم وغيرهم كما سبق في التخريج، وذكرها البخاري في موضع آخر بلفظ: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب»، وليس بين الروايتين فرق في المعنى.

ب- المراد بأهل الكتاب هم: كل أمة أنزل على نبيها كتاب من الله-سبحانه وتعالى- ويدخل في ذلك دخولاً أوليًّا اليهود والنصارى، حيث أنزل على موسى- عليه السلام- التوراة، وأنزل على عيسى-عليه السلام- الإنجيل.

قال الحافظ ابن حجر: «قوله: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب» هم اليهود، وكان ابتداءً دخول اليهودية اليمن في زمن (أسعد ذي كرب)، وهو تُبَّع الأصغر، كما ذكره ابن إسحاق في السيرة، ودخل دين النصرانية إلى اليمن بعد ذلك لما غلبت الحبشة على اليمن، وكان منهم أبرهة صاحب الفيل الذي غزا مكة، وأراد هدم الكعبة، حتى أجلاهم عنها سيف بن ذي يزن، كما ذكره ابن إسحاق مبسوطًا-أيضًا- ولم يبق بعد ذلك باليمن أحد من النصارى أصلاً إلا بنجران، وهي بين مكة واليمن، وبقي ببعض بلادها قليل من اليهود«(4).

ج- فائدة ذكره غ لمعاذ بن جبل رضي الله عنه أن القوم الذين سيقدم عليهم من أهل الكتاب تتركز في ضرورة استعداد معاذ رضي الله عنه لهم، حيث أن أهل الكتاب يختلفون عن غيرهم من الوثنيين، فهم أهل علم ومعرفة، فمخاطبتهم ومحادثتهم وجدالهم يختلف عن الأميين، فمخاطبة العالِم تختلف عن مخاطبة الجاهل.

قال الحافظ ابن حجر :: «هي كالتوطئة للوصية؟ ليستجمع همته عليها، لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية بمخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبد ة الأوثان«(5)

ويقول ابن دقيق العيد: «لعله للتوطئة والتمهيد للوصية باستجماع همته في الدعاء لهم، فإن أهل الكتاب أهل علم، ومخاطبتهم لا تكون كمخاطبة جهال المشركين وعبدة الأوثان في العناية بها«(6)

وسيأتي مزيد من التفصيل لذلك في مبحث الدعوة والتوجيه -إن شاء الله-.

د- وقد خصَّهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالذكر دون غيرهم تفضيلاً لهم على غيرهم، ذكره ابن حجر(7):

هـ- ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن القوم الذين يقدم عليهم معاذ من أهل الكتاب لا يعني أنهم جميعهم من أهل الكتاب، يقول الحافظ ابن حجر:: «وليس فيه أن جميع من يقدم عليهم من أهل الكتاب، بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم«(8).

3-قوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله«.

أ- هكذا في رواية البخاري وغيره كما سبق، وفي رواية أخرى له: «إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله»، وهكذا عند أبي داود والترمذي وغيرهما.

وفي رواية للبخاري-أيضًا-: «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله»، وهي هكذا في رواية لمسلم.

وفي رواية للبخاري-أيضًا-: «فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله«.

والجمع بين هذه الروايات بما ذكره الحافظ ابن حجر : بقوله: «ويجمع بينهما بأن المراد بعبادة الله توحيده، وبتوحيده الشهادة له بذلك، ولنبيه باِلرسالة«(9).

من هذا يفهم أن أول ما يدعو إليه الداعي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وهاتان الشهادتان هما توحيد الله تعالى والتوحيد أساس العبادة، فلا فرق حينئذٍ بين الروايات المذكورة.

ب- قوله: «فإذا جئتهم«.

قال الحافظ ابن حجر: «قيل عبر بلفظ (إذا) تفاؤلاً بحصول الوصول إليهم«(10).

ج- قال الحافظ العيني: «قوله: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» أي: ادع أهل اليمن أولاً إلى شيئين.

أحدهما: شهادة أن لا إله إلا الله.

والثاني: الشهادة بأن محمدًا رسول الله، فإن قلت: كيف كان يعتقده أهل اليمن؟

قلت: صرح في رواية مسلم أنهم من أهل الكتاب، حيث قال: عن ابن عباس، عن معاذ بن جبلي قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب«.(11)

د- أمر الرسول معاذًا أن يبدأ بالشهادتين لأهميتهما العظمى، ولأنهما أصل الدين، وكل ما يأتي بعدهما يبنى عليهما، ولا يصح بدونهما، يقول ابن دقيق العيد: «والبداءة في المطالبة بالشهادتين؛ لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلا به، فمن كان منهم غير موحد على التحقيق-كالنصارى- فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين عينًا، ومن كان موحدًا -كاليهود- فالمطالبة له بالجمع بين ما أقر به من التوحيد، وبين الإقرار بالرسالة، وإن كان هؤلاء اليهود-الذين كانوا باليمن- عندهم ما يقتضي الإشراك ولو باللزوم، فتكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم، وقد ذكر الفقهاء أن من كان كافرًا بشيء، مؤمنًا بغيره، لم يدخل في الإسلام إلا بالإيمان بما كفر به«(12).

أقول: وهل في اليهود موحدون، وقد أخبر الله-سبحانه وتعالى- عنهم في القرآن الكريم أنهم يقولون: عزير ابن الله؟!

ويقول الحافظ ابن حجر :: «ووقعت البداءة بهما؛ لأنهما أصل الدين الذي لا يصح شيء غيرهما إلا بهما؛ فمن كان منهم غير موحد، فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان موحدًا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة، وإن كان يعتقد ما يقتضي الإشراك أو يستلزمه، كمن يقول ببنوة عزير، أو يعتقد التشبيه، فتكون مطالبته بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم«(13)

من هذا كله تعلم أمرين مهمين:

1-أهمية الشهادتين، وأنه لا يصح عمل إلا بهما.

2-البدء بهما في الدعوة إلى الله لأهميتهما.

وسيأتي مزيد من التفصيل لهذه القضايا في المباحث العقدية والدعوية-إن شاء الله-.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ينظر: الفتح (3/358).

(2) ينظر: الاستيعاب (3/356).

(3) ينظر: معجم البلدان (4/ 447- 449) بتصرف.

(4) ينظر: الفتح (3/348، 349).

(5) المصدر السابق (3/358).

(6) ينظر: إحكام الأحكام، شرح عمدة الأحكام (2/ 2).

(7) ينظر: الفتح (3/358).

(8) المصدر السابق (3/358).

(9) المصدر السابق (3/358).

(10) المصدر السابق (3/358).

(11) عمدة القاري (8/ 235).

(12) إحكام الأحكام (1/ 255).

(13) ينظر: الفتح (3/358).