بحث عن بحث

المبحث الثالث: التحليل اللفظي للحديث

أما المراد بها هنا فهي الزكاة المفروضة.

هـ- «تؤخذ من أغنيائهم.«

      الغنى أنواع، كالتالي:

الأول: الغنى الموجب لدفع الزكاة، وهذا متفق على معناه، وهو المال الذي يبلغ نصابًا من الأموال النامية، فمن ملك هذا النصاب وجب دفع الزكاة فيه إذا حال عليه الحول، ويطلق على صاحبه غنيًّا.

الثاني: الغنى المانع من أخذ الزكاة، وفي تحديد هذا خلاف بين أهل العلم على النحو التالي:

أ- ذهب الأحناف إلى أن الغنى الذي يحرم به أخذ الزكاة وقبولها أحد أمرين:

1- ملك نصاب زكوي من أي مال كان، كخمس من الإبل السائبة، أو مائتي درهم، ونحو ذلك، مستدلين بأن الشرع جعل الناس قسمين لا ثالث لهما، إما غني يدفع الزكاة، أو فقير يأخذ الزكاة، ولا يجوز أن يكون غنيًّا فقيرًا في وقت واحد.

2-أن يملك من الأموال التي لا تجب فيها الزكاة ما يفضل عن حاجته، ويبلغ قيمة الفاضل مائتي درهم، كمن يقتني من الثياب والفرش والأدوات والكتب وغيرها زيادة على ما يحتاج إليه، وهذا كله للاستعمال لا للتجارة، فإذا فضل من ذلك ما يبلغ قيمته مائتي درهم حرم عليه أخذ الصدقة، واستدل الكاساني - من الحنفية- على هذا الرأي بما روي عن الحسن البصري أنه قال: «كانوا يعطون الزكاة لمن يملك عشرة آلاف درهم من الفرس والسلاح والخادم والدار«.

ووجه الدلالة في قوله: كانوا، أي الصحابة ي يعطون من يملك هذه الأشياء بالرغم من كثرة قيمتها؛ لأنها من الحوائج اللازمة فكان وجودها وعدمها سواء(1).

ب- وذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة-: إلى أن الغنى هو ما تحصل به الكفاية، فإن لم يكن محتاجًا حرم عليه أخذ الزكاة، وإن كان محتاجًا حل له أخذ الزكاة، وإن ملك نصابًا من مال معين، وعلى هذا فلا حد يحد به الغنى، وإنما كل بحسبه وطاقته، ودليلهم في ذلك:

ما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقبيصة بن المخارق الذي جاء يسأله في حمَّالة تحملها: «لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال: سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا(2) من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو سدادًا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتًا يأكلها صاحبها سحتًا«(3).

والشاهد من الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أباح للسائل المسألة حتى يجد القوام من العيش(4).

أما الوارد هنا فهو النوع الأول، وهو الغنى الموجب لدفع الزكاة، ومرجع الضمير في قوله: «أغنيائهم» أغنياء هؤلاء الذين استجابوا إلى الدعوة، فهم مسلمون.

و- «وترد على فقرائهم«.

اختلف العلماء في المراد بالفقير على قولين:

1-الأحناف قالوا: إن الفقير هو أحد شخصين:

الأول: من يملك شيئًا من المال، لكنه دون النصاب المقرر للزكاة.

والثاني: من يملك ما يحتاج إليه من الثياب والمركب، والمسكن، ولو بلغ قيمته نصاب شرعي.

أما المسكين عندهم فهو من لا يملك شيئًا.

2-الجمهور - وهم المالكية والشافعية والحنابلة - قالوا: إن الفقير هو من لا يملك شيئًا من المال، أو يملك أقل من نصف كفايته، كمن يحتاج إلى عشرة دراهم في اليوم فلا يملك شيئًا، أو يملك درهمين، أو ثلاثة مثلاً.

أما المسكين فهو من يملك شيئًا من المال، لكنه لا يكفي حاجته من مطعم أو ملبس ومركب، ونحوها.

وكما اختلف العلماء في المراد بالفقير، اختلفوا -أيضًا- في مرجع الضمير في قوله: «فقرائهم» على قولين:

1-الجمهور -المالكية والشافعية، والرواية المشهورة عن الحنابلة- قالوا: إن مرجع الضمير إلى أهل البلد نفسه، وبالتالي رتبوا عليه عدم جواز نقل الزكَاة إلى بلد آخر(5).

2-الأحناف، قالوا: إن مرجع الضمير إلى المسلمين، وبالتالي قالوا: لا مانع من نقل الزكاة إلى بلد آخر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ينظر: بدائع الصنائع (2/ 48)

(2) ذوي الحجا: المقصود بالحِجا - بكسر الحاء وفتح الجيم-: العقل، والمراد: من ذوي الخبرة والمعرفة. ينظر: النهاية (1/ 348).

(3) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الزكاة، باب من تحل له المسألة (2/ 722)، برقم (109).

(4) ينظر فيما سبق: المغني (4/117)، والمجموع (6/ 134- 136)، والمبسوط (1413).

(5) ينظر: الروض المربع (3/310)، والمجموع (6/134)، والمبسوط (3/8).