بحث عن بحث

المبحث الثالث: التحليل اللفظي للحديث

وسيأتي مزيد من التفصيل لهذه المسألة في المباحث الفقهية -إن شاء الله-.

6-قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فإياك وكرائم أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب«.

أ- هكذا جاءت هذه العبارة في رواية البخاري وغيره كما سبق.

وفي رواية أخرى للبخاري: «فإذا هم أطاعوا بها، فخذ منهم، وتوقَ كرائم أموالهم»، وكذا عند مسلم في رواية، والبيهقي.

وفي رواية أخرى للبخاري: «فإذا أقروا بذلك فخذ منهم، وتوقَ كرائم أموال الناس»، وكذا عند الدارقطني في رواية.

ولا فرق بين هذه الروايات من حيث المعنى، إلا أن الرواية الثالثة تبين المراد بالرواية الأولى، فمعنى الطاعة الإقرار.

ب- قوله: «فإياك وكرائم أموالهم«.

الكرائم: جمع كريمة، أي: نفيسة، والمراد: خيار المال النفيس.

قال النووي: «قال صاحب المطالع: هي جامعة الكمال الممكن في حقها من غزارة لبن، وجمال صورة، أو كثرة لحم أو صوف، وهكذا«(1).

وكرائم منصوبة بفعل مضمر، قال ابن حجر: «ولا يجوز إظهاره، قال ابن قتيبة: ولا يجوز حذف الواو«(2).

قال العيني: «قوله: «فإياك وكرائم أموالهم»، بالواو، ولا يجوز تركه؛ لأن معنى إياك: اتق، وهو الذي يقال له التحذير، والمحذر منه إذا ولي المحذر، فإن كان اسمًا صريحًا يستعمل بمن أو الواو، ولا يخلو عنهما، وإلا يفهم منه أنه محذر منه، وإن كان فعلاً يجب أن يكون مع أن ليكون في تأويل الاسم فيستعمل بالواو عطفًا، نحو: إياك وأن تحذف، فإن تقديره: إياك والحذف، أو بمن نحو: إياك من تحذف، ولا يجوز أن يقال: إياك الأسد، بدون الواو، وقد نقل ابن مالك: إياك الأسد، بحذف الواو، ولكنه شاذ يكون في الضرورة«(3).

والمراد بقوله: «وإياك وكرائم أموالهم»: إياك أن تأخذ خيار المال كالنفيس. قال ابن حجر: «والنكتة فيه: أن الزكاة لمواساة الفقراء، فلا يناسب ذلك الإجحاف بمال الأغنياء، إلا إن رضوا بذلك«(4).

ج- قوله: «واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب«.

جاء في رواية عند الدارقطني: «واتق دعوة المظلوم فإنها لا تحجب«.

والمراد بذلك: أي تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم.

قال ابن دقيق العيد: «وذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عقيب النهي عن أخذ كرائم الأموال؛ لأن أخذها ظلم«(5).

وقال ابن حجر: «والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم: الإشارة إلى أن أخذها ظلم، وقال بعضهم: عطف واتق على عامل إياك المحذوف وجوبًا، والتقدير: اتق نفسك أن تتعرض للكرائم، وأشار بالعطف إلى أن أخذ الكرائم ظلم، ولكنه عمم إشارة إلى التحرز من الظلم مطلقًا«(6).

وقوله: «فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»، قال النووي: «أي: أنها مسموعة«(7).

وقال ابن حجر: «أي: ليس لها صارف يصرفها ولا مانع، والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصيًا، كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعًا: «دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه»(8)، وإسناده حسن.

وليس المراد أن للّه تعالى حجاباً يحجبه عن الناس.

وقال الطيبي: «قوله: «اتق دعوة المظلوم»: تذييل لاشتماله على الظلم الخاص من أخذ الكرائم وعلى غيره، وقوله: «ليس بينها وبين الله حجاب»، تعليل للاتقاء وتمثيل للدعاء، كمن يقصد دار السلطان متظلمًا فلا يحجب«(9).

7-استشكل بعض العلماء عدم ذكر الصوم والحج في هذا الحديث، مع أن بعث معاذ رضي الله عنه كان في آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

وأجاب على ذلك الحافظ ابن حجر : إجابة شافية، أنقلها بتمامها ففيها تمام الغنية، يقول :: «لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج مع أن بعث معاذ -كما تقدم- كان في آخر الأمر، وأجاب ابن الصلاح: بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية لاحتمال الزيادة والنقصان، وأجاب الكرماني: بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كرر في القرآن، فمن ثَمَ لم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام، والسرُّ في ذلك: أن الصلاة والزكاة إذا وجبا على المكلف لا يسقطان أصلاً، بخلاف الصوم؛ فإنه قد يسقط بالفدية، والحج فإن الغير قد يقوم مقامه كما في المغصوب، ويحتمل أنه حينئذٍ لم يكن شرع«.

وقال شيخنا شيخ الإسلام: «إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منه بشيء، كحديث ابن عمر: «بنُيَ الإسلامُ على خمس»(10)، فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام اكتفى بالأركان الثلاثة، ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحج، كقوله تعالى: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ}(11) في موضعين من براءة، مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج قطعًا، وحديث ابن عمر-أيضًا-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»، وغير ذلك من الأحاديث»

قال: والحكمة في ذلك: أن الأركان الخمسة:

اعتقادي، وهو الشهادة. وبدني، وهو الصلاة. ومالي، وهو الزكاة، اقتصر في الدعاء للإسلام عليها؛ لتفرع الركنين عليها، فإن الصوم بدني محض، والحج بدني مالي.

وأيضًا فكلمة الإسلام هي الأصل، وهي شاقة على الكفار، والصلوات شاقة لتكررها، والزكاة شاقة لما في جبلة الإنسان من حب المال، فإذا أذعن المرء لهذه الأركان كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها، والله أعلم»(12).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح النووي على مسلم (1/197).

(2) ينظر: الفتح (3/ 369).

(3) ينظر: عمدة القاري (8/ 236).

(4) ينظر: الفتح (3/ 360).

(5) ينظر: الإحكام (2/3، 4).

(6) ينظر: الفتح (3/ 360).

(7) ينظر: شرح النووي (1/ 197).

(8) أخرجه الإمام أحمد في المسند (2/367).

(9) ينظر الفتح (3/365).

(10) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب دعاؤكم إيمانكم (1/49)، برقم: (8)، وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام (1/45)، برقم (16).

(11) [التوبة: 5، 11]

(12) ينظر: الفتح (3/ 5 36، 361).