بحث عن بحث

المبحث الرابع: المسائل العقدية

المسألة الثالثة: الدعوة إلى التوحيد قبل القتال(1)

استنبط بعض العلماء من هذا الحديث: أنه لا بد من دعوة الكفار إلى الإسلام قبل القتال.

قال النووي :: «وفيه: أن السنة أن الكفار يُدْعَون إلى التوحيد قبل القتال«(2).

وقال الحافظ ابن حجر: «وفي الحديث أيضًا الدعاء إلى التوحيد قبل القتال«(3).

وقال العيني: «الثاني -أي: من فوائد الحديث-: فيه أن الكفار يُدْعَون إلى الإسلام قبل القتال«(4).

ووجه الدلالة من الحديث من قوله: «فإذا جئتهم فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله»، حيث رتب على ذلك الأمر بالصلاة والزكاة، ففهم من هذا أن أول أمر يبدأ به هو الدعوة إلى التوحيد.

ولكن اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في حكم هذا الأمر، هل يجب أو يجوز؟ أو يجب في حالة دون أخرى؟ على ثلاثة أقوال:

القول الأول: يجب تقديم الدعاء للكفار إلى الإسلام مطلقًا، من غير فرق بين من بلغته الدعوة ومَنْ لم تبلغه، وهذا مذهب الإمام مالك : مستدلاً بظاهر هذا الحديث، وبأحاديث أخر، منها:

  أ- ما رواه مسلم وغيره، عن جريدة أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش أمره بتقوى الله في خاصته، وبمن معه من المسلمين... وفيه: «إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكُف عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا، فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم...» الحديث(5).

ووجه الدلالة منه: أن الرسول يوصي بالدعوة أولاً ثم بالقتال، ولو كان القتال جائزًا لما رتب الرسول هذه الأمور الثلاثة بعضها على بعض.

ب- ما أخرجه الشيخان، عن سهل بن سعد: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر، فقال: «أين علي»؟ فقيل: إنه يشتكي عينيه، فأمر فدعي له، فبصق في عينيه، فبرأ مكانه، حتى كأن لم يكن به شيء، فقال: «نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا»؟ فقال: «على رِسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمر النعم«(6).

ووجه الدلالة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمره مباشرة بقتالهم، وإنما أمره بالدعوة إلى الإسلام قبل القتال، وهذا يدل على وجوب هذا الأمر.

القول الثاني: أنه لا تجب الدعوة إلى الإسلام قبل القتال، ويرون أن الدعوة إلى الإسلام كانت في أول الإسلام، فلما قويت شوكته نسخ هذا الأمر.

واستدلوا بعدة أدلة، أهمها:

أ- ما رواه الشيخان عن ابن عود رضي الله عنه قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتب إليَّ: إنما كان ذلك في أول الإسلام، وقد أغارَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون(7)، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية ابنة الحارث، حدثني بذلك ابن عمر، وكان في ذلك الجيش(8).

ووجه الدلالة من الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق، ولم يبدأ بدعوتهم إلى الإسلام، فدل على أن الدعوة لا تجب قبل القتال.

ب- ما رواه البخاري وغيره عن البراء بن عازب أنه قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطًا من الأنصار إلى أبي رافع، فدخل عبد الله بن عتيك بيته ليلاً، فقتله وهو نائم«(9).

القول الثالث: أن الدعوة تجب لمن لم تبلغهم الدعوة، فلا يجوز قتالهم حتى يُدْعَوا إلى الإسلام، أما من بلغتهم الدعوة فلا تجب دعوتهم، وإنما تستحب.

قال الإمام أحمد: «إن الدعوة قد بلغت وانتشرت، ولكن إن جاز أن يكون قوم على هذه الصفة لم يجز قتالهم قبل الدعوة«(10).

قال الشيرازي في المهذب: «وإن كان العدو ممن لم تبلغهم الدعوة لم يجز قتالهم حتى يدعوهم إلى الإسلام؛ لأنه لا يلزمهم قبل العلم، والدليل: قوله ﻷ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}(11) ، ولا يجوز قتالهم على ما لا يلزمهم؛ وإن لدعوة، فالأحب أن يعرض عليهم الإسلام«(12).

وقال ابن المنذر: «وهو قول جمهور أهل العلم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف من الأحاديث«(13).

ويتضح من عرض هذا القول أنهم استدلوا بما يلي:

أ- قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}(14)

ووجه الدلالة من الآية: أن الله- سبحانه وتعالى- رتب العذاب على بعث الرسل، فيفهم منه أن الذين لم تبلغهم دعوة الرسل لا يعذبون، فمعنى ذلك أنه لا يجوز قتل من لم تبلغه الدعوة حتى يُبَلَّغ.

2- الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، وقد سبقت خلال عرض للقولين الأول والثاني، فظاهر أحاديث القول الأول توجب الدعوة قبل القتال، وظاهر أحاديث القول الثاني لا توجب الدعوة، فجمع جمهور أهل العلم بين هذه الأحاديث بهذا القول، وهذا هو الظاهر، والله أعلم(15).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لقد ترددت في جعل هذه المسألة مع المباحث العقدية أو الفقهية؛ لأنها تبحث في الموضعين، فعلماء العقيدة يعرضونها في أبواب التوحيد، والفقهاء يبحثون المسألة في أبواب الجهاد، وغلبت هنا جانب العقيدة؛ لكون الحديث افتتح في بيان أهمية التوحيد، وهذا كله لا يغير من حقيقة المسألة شيئًا، لكن من الناحية المنهجية والفنية فقط.

(2) ينظر: شرح النووي على مسلم (1/197).

(3) ينظر: الفتح (3/ 360).

(4) ينظر: عمدة القاري (8/236).

(5) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب تأمير الأمراء على البعوث (3/1356)، برقم: (1731)، وأخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الجهاد، باب في دعاء المشركين (3/ 83)، برقم: (2612)، وغيرهما.

(6) أخرجه البخاري في صحيحه، في مواضع، منها: كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب، (7/70)، برقم: (3701)، وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب (4/ 1872)، برقم: (2406).

(7) غارون، أي: غافلون.

(8) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، في كتاب العتق، باب من ملك من العرب رقيقًا فوهب (5/170)، برقم: (2541)، وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد، باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام (3 /1356)، برقم: (1730)، وأخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الجهاد، باب في دعاء المشركين (3/ 97)، برقم: (2633).

(9) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد، باب قتل النائم المشرك (8/155)، برقم: (3023).

(10) ينظر: المغني (8/ 361).

(11) [الإسراء: 15]

(12) ينظر: المجموع شرح المهذب (18/ 73).

(13) نقلًا عن نيل الأوطار (7/ 362).

(14) [الإسراء: 15]

(15)  ينظر في هذه المسألة المراجع الآتية: المغني، لابن قدامة (8/ 361)، وتكملة المجموع (18/ 73)، والمبسوط (10/ 30)، وفتح الباري (6/ 108)، وشرح النووي (1/ 197)، ونيل الأوطار (7/ 262)، وعمدة القاري (8/236)، وشرح كتاب السير الكبير (5/2227)، وتيسير العزيز الحميد (127).