بحث عن بحث

المبحث السادسالمسائل الفقهية

واستدلوا بعدة أدلة منها:

أ- ما رواه النسائي وابن ماجه وغيرهما، عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: «الوتر حق؛ فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل«(1).

ووجه الدلالة من الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أن الوتر حق، بمعنى أنه واجب.

ب- ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن، عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أهل القرآن أوتروا، إن الله وتر يحب الوتر«(2).

ووجه الدلالة من الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين بأن يوتروا، والأصل في الأمر أنه يقتضي الوجوب.

وهناك أدلة أخرى كلها في معنى ما ذكر.

لكن الذي يتبين رجحانه-والله أعلم- هو رأي الجمهور؛ لما يلي:

أ- لقوة أدلتهم وصحتها وصراحة مدلولها.

ب- أن الدليل الأول للفريق الثاني- حديث أبي أيوب الأنصاري- يجاب عنه بما يلي:

1-أنه مختلف في رفعه ووقفه، يقول الحافظ ابن حجر: «رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم، من طريق أبي أيوب، وله ألفاظ، وصحح أبو حاتم، والذهلي، والدارقطني في العلل، والبيهقي، وغير واحد وقفه، وهو الجواب«(3).

وما دام الأمر كذلك فلا يقوى على معارضة المرفوع.

2-على التسليم بصحة رفع الحديث، فلا يسلم بأنه يدل على الوجوب؟ إذ أنه قد ورد في بعض روايات الحديث ما يفيد عدم الوجوب، فقد رواه ابن المنذر بلفظ: «الوتر حق، وليس بواجب«(4).

3-لو سلم بصحة الحديث -أيضًا- فلفظة (حق) لا تدل على الوجوب؛ لأن كل حكم ثابت في أصل الشرع هو حق، فيدخل في الواجب والمستحب، وحمله على الواجب يحتاج إلى دليل، ولا دليل هنا(5).

4-أنه من المقرر عنَد تعارض الأدلة أنه يجمع بينها إن أمكن ذلك، وهنا يمكن الجمع، وذلك بحمل أدلة الفريق الثاني على التأكيد على أمر الوتر، وأن تركه لا ينبغي في حق المسلم.

ج- أما الدليل الآخر فيجاب عنه بما أجيب في الدليل الأول، ويضاف إلى ما قيل: أنه روي بألفاظ أخرى لا تدل على الوجوب، منها: «الوتر ليس بحتم»، و«الوتر سنة»(6)، وهذه ألفاظ تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب(7). والله أعلم.

المسألة الثالثة: أهمية الزكاة في الإسلام وعظم شأنها:

استنبط العلماء-رحمهم الله تعالى- من هذا الحديث الجليل أن للزكاة شأنًا عظيمًا، ومكانة عالية، وأهمية كبرى في الإسلام، حيث قرنها النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادتين والصلاة، فهي الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه العظام، وهي قرينة الصلاة في كتاب الله تعالى وفي كثير من أحاديث المصطفى.

وهذا أمر مقرر في الإسلام، ومعلوم من الدين بالضرورة، ولذا لا نطيل الحديث في هذا الموضوع، فأقتصر على بعض الآيات القرآنية التي توضح أهمية هذا الركن العظيم، وتعرضه بأساليب مختلفة، وصيغ متنوعة، فتارة بالحث عليها والترغيب فيها، وتارة بالوعيد لمن تركها، وتارة ببيان عظم شأنها، وغير ذلك.

ومن ذلك قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}(8)، وقوله سبحانه: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ}(9)، وقوله سبحانه: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا}(10)، وقوله -جلّ من قائل-: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }(11) وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}(12)، ويقول -جل وعلا-: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}(13)، والآيات في هذا الباب كثيرة، والأحاديث النبوية عديدة، وصدرت بها دواوين السنة. والله أعلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه النسائي في سننه، في كتاب قيام الليل، باب الاختلاف على الزهري في حديث أبي أيوب (3/238، 239)، وأخرجه ابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع (1/376)، برقم: (1190).

(2) أخرجه النسائي في سننه، في كتاب قيام الليل، باب الأمر بالوتر (3/228، 229)، وأخرجه ابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الوتر (1/ 369)، برقم: (1168)، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (1/ 110).

(3) التلخيص الحبير (2/ 13)، وانظر: نيل الأوطار (3/ 34).

(4) تنظر المراجع السابقة.

(5) ينظر: فتح الباري (2/ 477).

(6) ينظر: نيل الأوطار (3/ 34).

(7) لمزيد من الفائدة، يراجع في هذا المبحث ما يلي: فتح الباري (2/ 477)، وعمدة القاري (8/ 237)، ونيل الأوطار (3/ 34- 36)، والمغني (2/ 591- 595)، وبدائع الصنائع (1/ 270، 271)، والهداية (1/ 56)، والمجموع (3/ 476)، وبداية المجتهد (1/ 89).

(8) [البقرة: 43]

(9) [البقرة: 110]

(10) [مريم: 31]

(11) [آل عمران: 180]

(12) [التوبة: 34 – 35]

(13) [سبأ: 39]