دراسة تحليلية لنفسية غضبان (2-4)

المثال الثاني:

للجار حق على جاره بالسلام والتحية، والزيارة والسؤال عن الحال، والهدية والعطية، والصدقة والإحسان، والنصيحة والتواصل وعلى أقل حال: عدم الإيذاء.

أحدهم لم يتنبه إلى تلك الحقوق، فغفل عنها، فترك أطفاله في الشارع يؤذون الجيران، وتمركز الإيذاء حول الجار القريب فصاروا يؤذونه عند بابه، وفي سيارته، حاول نصحهم ووعظهم وتنبيههم ولم يجدِ ذلك، وذات مرة مرت إحدى سيارات الشرطة فأوقفهم ليهيب بهم فأخبرهم بأمره وبقصده، فتفهّم أفراد الشرطة المراد فقاموا بدورهم، ووقف المشهد إلى هنا..

وبعد فترة ليست بالطويلة أخبر والد هؤلاء الأطفال المؤذين فغضب أشد الغضب وهدد وزمجر وصار (ينتخي) ويتوعد إن لم يفعل ويفعل، كيف يقوم هذا الجار بهذا الفعل، فوجد الشيطان بغيته فصار يزيده ويعيره بجبنه وذله، كيف يتعدى هذا الجار على أولاده؟ وبدأ التنفيذ، فجاء إلى جاره غاضبًا مستجمعًا قواه العقلية والجسدية ليقوم بدوره الشجاع المطلوب، فعتب على جاره بصوت مرتفع، حاول الجار أن يفهمه الموقف، وأنه متحمل طوال الوقت لهذا الإيذاء، وقد أخبره مرارًا، وحق الجار عظيم، والمسألة تهييب، لكن الجار أعماه الشيطان فزاد غضبه فوصل الأمر إلى التشاجر وارتفاع الأصوات، فاجتمع الناس، فأراد البطل الشجاع ليحسم الموقف بضربة قاضية من مسدس له، قضى بها على جاره، هكذا سوّل له الشيطان، ليرمى بعد ذلك في السجن، وكان ما كان.

مرة أخرى مهما حاول كل مفكر ومتأمل بهذه الحادثة المأساوية ليبحث عن السبب فسيجد السبب الأول والأخير لها؟ إنه الغضب..

حق من الحقوق العظيمة، وأكثر من ذلك محاولة لإيقاف الأذى بالطرق المشروعة، وأبلغ من ذلك إعانة على تربية هؤلاء الأولاد..

ردّ الفعل: غضب شديد، أشعله الشيطان، أثّر على عقل هذا الغضوب، نفخ فيه الشيطان من منطلق جاهلي، ليحوله بعد ذلك إلى صورة عملية تخلف وراءها مأساة عميقة. شجار ونزاع وخصومات، يتلوها كلام غير لائق، يتحول بعدها إلى جريمة شنعاء، قتل لبريء مظلوم، يدافع عن حق من حقوقه، بأسلوب شرعي متدرج، قابل الإساءة بإحسان، فجزاؤه أن يتحول قتيلاً، ليخلف وراءه أسرة مجروحة تيتم لأطفاله وتترمل زوجته، وربما يتحول الغنى فقرًا، والصحة مرضًا، والسعادة شقاء.

وهو: يتلبس بهذه الجريمة الشنعاء، يسجن، وعقوبة في الدنيا تنتظره، وما يقابله في الآخرة أشد والعياذ بالله.

وتتحول شجاعته إلى بيت يبتعد عنه، فيزداد أولاده بعدًا عن الأخلاق، ويبقى في مخيلتهم جريمة أبيهم، وينظر إليهم الناس نظرة كره وبغض.. إلى آخر ذلك من النتائج السيئة. والسبب الأول والأخير (الغضب).



بحث عن بحث