السراء في الحياة وصورها (3-3)

خامسًا: الشهادة العلمية:

وهذه نعمة تتهيأ لبعض الناس دون آخرين، وذلك بتفاوت قدراتهم وإمكاناتهم العقلية وما يتهيأ لهم من الأسباب، أو نتيجة لظروف اجتماعية واقتصادية معينة، وهذه النعمة لا تأتي للإنسان من نفسها، ولكنها نتيجة لجهد طويل، وتعب وسهر، ومعاناة،  وهي نعمة يستفيد منها صاحبها في حياته المعيشية ووضعه الاجتماعي، وهي وسيلة لترقية البلد من الناحية العلمية والمعرفية والسعي لتقدمه إلى الأمام، وربما تتجاوز هذه النعمة تلك الأهداف إلى غايات أسمى وأرقى من حيث قيادة الأمة والسير بها نحو المجد والنصر، وإصلاحها من الداخل بمحاربة الفساد بكافة صوره، ونشر الخير والصلاح في ربوعها.

وإن الحصول على الشهادة، وعدم العمل بمقتضاها في الحياة اليومية تعد آفة علمية وثقافية في المجتمع، لأن هذه الشهادة هي جسر ينتقل صاحبها عبرها من الحياة البسيطة التي لا مسؤولية فيها ولا دعوة ولا إصلاح، إلى حياة مليئة بالأعباء والأثقال، بل تنقله من البطالة إلى الجد والعمل، والإنسان مسؤول عن هذه الشهادة أمام الله سبحانه وتعالى ثم أمام الناس في الحياة الدنيا، ماذا عمل بها وما الإنجازات التي تحققت من خلالها، وهل أفاد صاحبها البشر بها أم لا؟ وكذلك هو مسؤول عنها أمام الله تعالى يوم القيامة، وهناك يكون الحساب أشد وأنكى، لأن حساب العالم لا يكون كحساب الجاهل والعامي، فيسأل عن علمه كيف حصل عليه؟ وماذا عمل به؟ هل سخره في طاعة الله؟ والدعوة إلى دينه؟ أم كانت وسيلة للحصول على المناصب والأموال والجاه بين الناس، وتلك هي الطامة الكبرى، يقول الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام: «من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار»(1)، وكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «من تعلّم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة»(2) يعني ريحها.

سادسًا: الأمـن

والأمن من أهم النعم التي ينعمها الله على الإنسان، وهي شعور الإنسان بالأمان على نفسه ودينه وأسرته، ومصالحه وأمواله، والاطمئنان بعدم وجود خطر عليها، وهذه النعمة تحتضن النعم الأخرى وتحتويها، فمن دون نعمة الأمن لا يكون لنعمة المال والصحة والوقت سكن ولا قرار، فإذا انعدم الأمن فلا يتنعم الإنسان بماله ولا بصحته ولا بوقته، وإلى غير ذلك من النعم، لذلك ذكر الله تعالى أن الخوف الذي هو عكس الأمن من الابتلاءات التي يمكن أن يبتلى بها الإنسان في حياته لينظر أيصبر أم لا فقال جل ذكره: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}(3)، ونعمة الأمن هي غاية الإنسان العظمى في الحياة، لأن مصالحه وأعماله وأرزاقه مرتبطة بها ارتباطًا وثيقًا، وإن معظم الثورات والصراعات القائمة بين بعض الشعوب والمحتلين لها كلها من أجل الحصول على هذه النعمة، وكف أيدي الظالمين عن تخويفهم وإرعابهم، والشعوب الآمنة تملك الظروف المناسبة للإنتاج المادي والمعرفي، ورائدة لغيرها من الأمم التي تفتقر إلى هذه النعمة.

ولأهمية نعمة الأمن وعظم شأنها جعلها أبونا إبراهيم عليه السلام من أولى دعواته كما جاء في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ}(4)، فقدم في الذكر مطلب الأمن على مطلب التوحيد؛ لأن التوحيد لا ينتشر عند الناس إلا بالأمن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن ابن ماجه، رقم 253 ص39.

(2) سنن أبي داود، رقم 3664، ص525-526. ورواه أحمد في مسنده، وكذلك ابن ماجه في سننه.

(3) سورة البقرة، الآية 155.

(4) سورة إبراهيم، الآية 35.



بحث عن بحث