مقابلة نعم الله بالجحود والكفر (2-2)

ليس هذا فحسب، بل النتيجة الوخيمة لكفر النعمة تكون في الآخرة عندما يرحل الإنسان عن هذه الحياة إلى ربه فيحاسبه على كل لحظة مرت بحياته قولاً وفعلاً، وسيسأل عن كل ما كان لديه من النعم في الحياة الدنيا وسخرها لمعصية الله وظلم الناس والتكبر عليهم، وما يترتب على ذلك من عذاب وعقاب، يقول الله تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُون}(1)، ونَيقول الله تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}(2)، والكنود الذي لا يشكر نعمة الله، وقال الحسن {إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} يعد المصائب وينسى النعم وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النساء أكثر أهل النار بهذا السبب قال: «ورأيت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن، قيل يكفرن بالله، قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت ما رأيت منك خيرًا قط»(3).

هذا فضلاً عن الاضطرابات النفسية والأمراض العصبية المتفشية في مجتمعاتنا التي هي جزء من كفر النعمة الذي يشعل نار الغضب والحقد في النفوس تجاه الآخرين، لأن الشاكرين قلة، فأكثر الناس لا يشكرون، قال تعالى: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}(4)، وقال سبحانه: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}(5)، ولذلك أثنى الله عز وجل على إبراهيم عليه السلام بقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}(6)، وقد نبهنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إلى مسألة نفسية مهمة في حياة المسلم لتجنب البطر والتعالي على نعم الله، والجشع الذي لا يتوقف عند حد في الحصول على المزيد من الأموال وغيرها، والنظر إلى الآخرين ومحاولة الوصول إلى ما وصلوا إليه من الدرجات في الحياة الدنيا، حيث قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله»(7).

فهذا نوع من التربية النبوية لتنقية النفس البشرية من الحسد الذي من شأنه مراقبة الذين هم أكثر منه مالاً وولدًا وجاهًا، فهذا الحسد يجعل من الإنسان دائمًا في حالة من التفكير والتخطيط للوصول إلى ما وصل إليه الآخرون. وقد يسلك من أجل ذلك طرقًا خطيرة على حساب حياة الآخرين وحقوقهم، فيلجأ للانتقام من الشخص المنافس له إما في نفسه أو مصالحه، وعندها تكون الطامة الكبرى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأحقاف، الآية 20.

(2) العاديات، الآية 6.

(3) صحيح البخاري، رقم 29، ص8.

(4) سورة الأعراف، الآية 7.

(5) سورة سبأ، الآية 13.

(6) سورة النحل، الآيتان 120، 121.

(7) صحيح مسلم، رقم7430، ص1283.



بحث عن بحث