الوقفة الأولى: في أهمية الحديث

إن سطوة الهوى على النفس واستحكامه بالجوارح، تجعل الإنسان في حالة من الغفلة والنسيان عن خالقه وبارئه؛ فيتجبر ويتكبر، ويظلم ويبطش، وقد غشاه الشيطان من كل جانب، وزين له عمله فيحسب أنه يحسن صنعًا، ويبقى على حاله إلى أن يشاء الله، حتى يضعه ربه عز وجل على المحك الذي يظهر من خلاله ضعفه وقلة حيلته، وافتقاره إلى من هو أقوى منه؛ إلى العزيز الجبار.

والشعور بالضعف أمام الله تعالى والخوف منه فطرة في النفس، وهو عامل قوي لاستقامة الأعمال والأفعال، ولكن الإنسان يخفي هذه الحقيقة في نفسه وعن الناس من حوله، ويظهر بصورة كاذبة أنه قادر على تخطي الصعاب وتذليل المخاطر بنفسه دون الحاجة إلى قوة أخرى، وربه يقول له من فوق سبع سموات: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(1).

ثم يكشف الله تعالى حقيقته ويظهره على صورته الحقيقية، وذلك بضرب مثل مألوف له في حياته، فيقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}(2) .

فالغفلة داء يعتري النفس حينما تنغمس في شهوات الدنيا وملذَّاتها، أو حين تلهو في أعمالها ووظائف حياتها، فتنسى فضل المنعم عليها وآلاءه، فلا يكون لها ناصر ومعين إذا وقعت في الشدة والضيق، أما النفس التي عرفت فضل بارئها عليها وعملت جوارحها فإنها تخرج من كربات الدنيا بما قدمته من الأعمال الصالحة، وهذا تصديق لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «من سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء»(3).

وهذه الحال لا تخص المؤمن فحسب؛ بل تتعدى إلى غير المؤمن، ممن يقع في هول المصيبة وخطر الحدث، فيلجأ من غير شعور إلى الخالق ليكشف عنه ضره: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}(4) .

فكان لزامًا على الناس الاستشعار بضعفهم وصَغارهم أمام مالك الملك وجبروته وقوته، وأن يقدموا أعمالًا صالحة بين يدي هذا الخالق، لتكون لهم شهادة خير ونجاة إذا ما تراكمت الكروب واشتدت الهموم والأحزان، فإنه لا ملجأ منها ولا منجى إلا من الله وإلى الله، وأن يتوجه هؤلاء الناس بصالح أعمالهم ودعواتهم إليه وحده دون سواه، فكل معبود غير الله باطل، وكل قوي غير الله ضعيف، يقول جلّ ذكره: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}(5) .

ويقول الرسول ﷺ: «إن الله يقول: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني»(6).

وليعلم العبد أن الله تعالى لا ينفعه عمل صالح ولا يضره عمل طالح، وإنما هكذا جرت حكمته جلّ وعلا، حيث يقول جلّ ذكره في الحديث القدسي: «يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني.. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه»(7).

وبعد، فهذه كلمات تبين عمق أهمية ما يحتويه هذا الحديث العظيم من أثر على حياة المسلم مما يحدوه إلى التأمل والنظر الدقيق فيه لعل الله تعالى أن يزيده هدى وتقى وصلاحًا واستقامة، وأن ينفس كرباته وينير دربه ويذلل عقباته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  [يونس: 107]

(2) [الحج: 733]

(3) جامع الترمذي، رقم(3382)، ص(772)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب

(4) [العنكبوت: 65]

(5) [الأعراف: 1944]

(6) رواه الترمذي، رقم(2388)، ص(544)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(7) رواه مسلم، رقم(2577)، ص(1128) .

أضف تعليق

كود امني
تحديث



بحث عن بحث