بحث عن بحث

مجالات الاستقامة الرئيسة (6-7)

      سادساً: الاستقامة في وجوب العمل للإسلام والدعوة إليه:

إن الإسلام دين حي متحرك، لا يكفي فيه مجرد التمسك الذاتي، فلا بد من تحرك مع الآخرين، فكما تستقيم فكراً وإيماناً وسلوكاً لا بد من الاستقامة فيه لإيصاله إلى الآخرين، والمسلم كالنهر الجاري يروي كل من يمر عليه ويفيده، ولننظر إلى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، كلها دعوة وتوجيه وإرشاد، وصفه الله تعالى في القرآن الكريم بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ(1) ، ومعنى الآية كما قال ابن سعدي :: «يمتن تعالى على عباده المؤمنين بما بعث فيهم النبي الأمي الذي من أنفسهم، يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، ولا يأنفون عن الانقياد له، وهو صلى الله عليه وسلم في غاية النصح لهم، والسعي في مصالحهم. ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾، يحب لكم الخير، ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان، ويكره لكم الشر، ويسعى جهده في تنفيركم عنه«(2)

وهكذا أمر الله له، بل هو وظيفة الرسل أجمعين، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(3) ، وتوعد الله سبحانه من كان عنده علم بالكتاب فكتمه، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّـهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ(4).

ووصف هذه الأمة بالخيرية لأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، قال تعالى: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ(5) ، في هذه الآية قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إقامة الصلاة، مع أن الصلاة عمود الإسلام، وأعظم الأركان بعد الشهادتين، وذلك لعظم الحاجة إليه، وشدة الضرورة إلى القيام به، بل أوجب الله على هذه الأمة أن توجد بينها جماعة تكون وظيفتها الدعوة إلى الخير، قال تعالى: ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(6) .

وإذا قامت جماعة من المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثر فيهم الخير، وظهرت فيهم الفضائل، واختفت منهم الرذائل، وتعاون أفرادها على البر والتقوى، ومن ذلكم إجابة الدعاء، وقضاء الحاجات، والانتصار على الكفار. ولكن إذا تركوا هذا الواجب كثرت الكوارث، وافترقت الأمة، وظهرت الرذائل، وشاع الباطل، وعندئذٍ تنزل اللعنة والعقاب، وترتفع الرحمة، ويجعل الله بأسهم بينهم شديداً، يقول تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(7) ، وعن حذيفة بن اليمان ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم«(8)(9)

وفي مسند أحمد عن عائشة ل قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فعَرَفْتُ في وجهه أن قد حَفَزَهُ شيء، فتوضَّأ ثم خرج فلم يكلم أحداً، فدنوت من الحجرات فسمعته يقول: «يا أيها الناس! إن الله ﻷ يقول: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر من قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم«(10)

وقد يقول بعض الناس: أنا أصلي والحمد لله، وأقوم بالفرائض والواجبات، وليس لي علاقة في أمور الناس، يُقال له: الأمر الأول جيد، ولكن الأخير ليس كذلك؛ لأن أمر الدعوة والإرشاد والتوجيه أيضاً من واجبات المسلم، فالدين النصيحة، بل كان الصحابة يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم، فعن جرير بن عبد الله  قال: «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنُّصح لكل مسلم»(11).

وليس من النصح للمسلم أنْ يترك على ما هو عليه من التساهل في الفرائض، والاقتراب إلى المحرمات، بل عليك أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك من الخير، فإنك إذا كنت مواظباً على الصلوات الخمس فتحب لإخوانك المسلمين أن يواظبوا عليها فتدعوهم إليها، وإذا كنت تحب حضور دروس المشايخ فهو خير، ولكن عليك أن تطلب من أخيك أن يمشي معك، ويحضر هذه الدروس، فلك أجرك وأجر مَن دعوته إلى الخير، وإذا كرهت شرب الدخان فعليك النصح لأخيك الذي يدخن بأن يمتنع عنه لأنه حرام وخبيث، وإذا كانت المرأة مستقيمة متحجبة فعليها أن تبذل لأخواتها هذا الفضل، وفي الحديث عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»(12). قال الكرماني: «ومن الإيمان أيضاً: أن يُبْغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر، ولم يذكره؛ لأن حب الشيء مستلزم لبُغْض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاء«

وتصور إذا كنت على شفا حفرة ستسقط فيها، هل تحب أن يخبرك أخوك ويمنعك من السقوط فيه أم لا؟ فكذلك كل من يرتكب الحرام فهو يريد أن يهوى في نار جهنم، فعليك أن تمنعه وتحب له الخير، وتكره له الشر؛ لأنه من الإيمان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [التوبة:128]

(2) (تفسر السعدي)، سورة التوبة، آية: (128).

(3) [المائدة:67]

(4) [البقرة:159]

(5) [آل عمران:110]

(6) [آل عمران:104]

(7) [المائدة:78 – 79]

(8) رواه الترمذي في الفتن، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (2169). .

(9) رواه أحمد في (باقي مسند الأنصار) (24727)، وابن ماجه في الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (4004).

(10) رواه البخاري في الإيمان، باب الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين (57)، ومسلم في الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة (56).

(11) رواه البخاري في الإيمان، باب الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين (57)، ومسلم في الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة (56).

(12) رواه البخاري في الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه (13)، ومسلم في الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير (45).