بحث عن بحث

الوقفة الخامسة (3-10)

في قوله صلى الله عليه وسلم: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله

      رابعاً: حقوق الصحبة والأخوة في الله:

إن للصحبة في الله تعالى حقوقاً تجتمع في قاعدة عظيمة: وهي كل ما يجلب الخير له ويدفع الشر عنه، ويمكن أن نذكر بعضها في النقاط الآتية:

1-الحق في المال:

ومن ذلك الإيثار وهو أعلاها، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ(1) .

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: حقت محبتي للمتباذلين فيَّ«(2).

ومن أروع ما يحكي لنا التاريخ صورة خروج الأنصار للقيا إخوانهم من المهاجرين، وترحابهم الغالي بهم، وإيثارهم على أنفسهم، هذا الحب الذي لا يجود بمثله الزمان، ووقائعه التي هي أغرب من الخيال، فمنهم من يعرض زوجاته على أخيه أيتهن أحب ينزل له عنها، فروي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقَالَ سعد لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا؛ فَأَقْسِمُ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ، فَسَمِّهَا لِي أُطَلِّقْهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا، قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ، وَمَالِكَ، أَيْنَ سُوقُكُمْ». الحديث(3).

ومن ذلك أيضاً ما حدث في التاريخ يوم اليرموك، روى القرطبي عن حذيفة العدوي قال: «انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء من الماء، وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به، فقلت له: أسقيك؟ فأشار برأسه أن نعم، فإذا أنا برجل يقول: آه! آه! فأشار إليَّ ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم. فسمع آخر يقول: آه! آه! فأشار هشام أن انطلق إليه، فجئته فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات«(4).

وكذلك قصة الأنصاري الذي أقرى ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ا: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا، فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: ضَحِكَ اللهُ اللَّيْلَةَ، أَوْ عَجِبَ مِنْ فَعَالِكُمَا، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(5) «(6).

2- الإطعام والكسوة:

فمن أهم الحقوق إطعام الأخ والصديق المسلم حتى ولو لم يأذن صاحب الطعام، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّـهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(7) .

فذكر في الآية أن للصديق أن يأكل من طعام صديقه بدون إذنه، ذكر القرطبي عن معمر أنه قال: «دخلت بيت قتادة، فأبصرت فيه رطباً، فجعلت آكله، فقال: ما هذا؟ فقلت: أبصرت رطبا في بيتك فأكلت، قال: أحسنت، قال الله: ﴿ أَوْ صَدِيقِكُمْ«(8).

وكان ابن المبارك يطعم أصحابه في الأسفار أطايب الطعام وهو صائم(9).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الحشر:9]

(2) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم: (4196).

(3) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب إخاء النبي غ بين المهاجرين والأنصار، برقم: (3780).

(4) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، المجلد التاسع (18/ 28).

(5) [الحشر:9]

(6) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب قول الله: ﴿      ﯼ   ﯽ، برقم: (3798).

(7) [النور:61]

(8) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، المجلد السادس، (12/316).

(9) لطائف المعارف (ص260).