المبحث الأول: الإحسان مع الوالدين (4-11)

13-كما جاء في حديث آخر أن الولد وما يملك لأبيه، فعن عائشة : أنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ يُخَاصِمُ أَبَاهُ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ، فَقَالَ نبيُّ الله: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ«(1)

عن عائشة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أَوْلادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلادِكُمْ«(2)(3)

14-وكما أن عقوق الوالدين من المحرمات، فعن المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: قَالَ: «إنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ(4) الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإضَاعَةَ المَالِ«(5)

خص الأمهات بالذكر، وإن كان عقوق الآباء أيضًا حرامًا؛ لأن العقوق إليهن أسرع من الآباء لضعف النساء، وللتنبيه على أن بر الأم مقدم على بر الأب في التلطف والحنو ونحو ذلك، ولأن ذكر أحدهما يدل على أن الآخر مثله بالضرورة، ولكن تعيين الأم لما ذكرنا(6)

15-وإن عقوق الوالدين قد يعجل الله عقوبته في الدنيا، فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ الله لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ». قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(7). وعقوق الوالدين يندرج في قطيعة الرحم بالأولى.

والعقوق له صور متعددة، ومنها: سب الوالدين، وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر، كما جاء في الحديث فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ  قال: قال رسولُ اﷲ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِن أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ» قِيْلَ: يَا رَسُولَ الله! كَيْفَ يَلْعَن الرَّجُل وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُل أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ. وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ«(8)

وفي رواية لمسلم: «مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ. يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ. وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ«(9)

وأن من لاعن والديه أو سابهما فهو ملعون على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، فعن علي قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «... لَعَنَ اللّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ«(10)

وعن علي أيضًا قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «... وَلَعَنَ الله مَنْ سَبَّ وَالِدَيْهِ«(11)

وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم العقوق من أكبر الكبائر، فعَنْ أَبِي بكرة  قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ –ثَلَاثًا- قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِالله، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ«(12)

16-والعاق لوالديه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، فعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ الله عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالمَرْأَةُ المُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ. وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالمُدْمِنُ عَلَى الخَمْرِ، وَالمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى«(13)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح ابن حبان، كتاب: البر والإحسان، باب: حق الوالدين (2/142)، وصححه المحقق شعيب الأرنؤوط، ورواه الإمام أحمد في المسند (2/204).

(2) سنن النسائي، كتاب: البيوع، باب: الحث على الكسب، برقم: (4455)، وصححه الشيخ الألباني، صحيح سنن النسائي، برقم: (4145).

(3) وهذا الإنفاق يجب أن لا يكون مضرًا بالابن؛ فإن أضر به لم يصبح ملزمًا.

(4) وَأَمَّا عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِن (الْعَقّ) وَهُوَ الْقَطْع. وَذَكَر الْأَزْهَرِيُّ أَنَّهُ يُقَال: (عَقَّ) وَالِده يَعُقّهُ -بِضَمِّ الْعَيْنُ- عَقًّا وَعُقُوقًا إِذَا قَطَعَهُ وَلَمْ يَصِل رَحِمَهُ. وَجَمْع (الْعَاقِّ) عَقَقَةٌ بِفَتْحِ الْحُرُوف كُلِّهَا, وَ(عُقُق) بِضَمِّ الْعَيْن وَالْقَاف. وَقَالَ صَاحِب الْمُحْكَم: رَجُل عُقُقٌ وَعَقَقٌ وَعَقٌّ وَعَاقٌّ بِمَعْنَى وَاحِد, وَهُوَ الَّذِي شَقَّ عَصَا الطَّاعَة لِوَالِدِهِ. هَذَا قَوْل أَهْل اللُّغَة. وَأَمَّا حَقِيقَة الْعُقُوق الْمُحَرَّم شَرْعًا فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ الله فِي فَتَاوِيه: الْعُقُوق الْمُحَرَّم كُلّ فِعْل يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِد أَوْ نَحْوه تَأَذِّيًا لَيْسَ بِالْهَيِّنِ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ مِن الْأَفْعَال الْوَاجِبَة. قَالَ: وَرُبَّمَا قِيلَ طَاعَة الْوَالِدَيْنِ وَاجِبَة فِي كُلّ مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ. وَمُخَالَفَة أَمْرهمَا فِي ذَلِكَ عُقُوق. (ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الأول، 1/91-92). والعقوق ضد البر، قال ابن منظور: (وعق والده يعقه عقًا وعقوقًا ومعقة: شق عصا طاعته، وعق والديه قطعهما ولم يصل رحمه منهما). (ينظر: لسان العرب لابن منظور، (10/256).

(5) صحيح البخاري، كتاب: الأدب، باب: عقوق الوالدين من الكبائر، برقم: (5975)، ورواه مسلم، كتاب: الأقضية، باب: النهي عن كثرة المسائل، برقم: (593).

(6) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، (12/ 245).

(7) جامع الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق، باب منه، برقم: (2511) وسنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في النهي عن البغي، برقم: (4902).

(8) صحيح البخاري، كتاب: الأدب، باب: لا يسب الرجل والديه، برقم: (5973).

(9) صحيح مسلم، كتاب: الإيمان، باب: الكبائر وأكبرها، برقم: (90).

(10) جزء من حديث رواه مسلم، كتاب: الأضاحي، باب: تحريم الذبح لغير الله، برقم: (1978).

(11) جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد (1/108).

(12) صحيح البخاري، كتاب: الشهادات، باب: ما قيل في شهادة الزور، برقم: (2654)، ورواه

(13) سنن النسائي، كتاب الزكاة، باب المنان بما أعطى، برقم: (2563).



بحث عن بحث