المبحث الثانيإحسان الزوجين مع بعضهما البعض (5-15)

وحتى بعد الطلاق أمر الزوج بالإحسان إلى زوجته، قال تعالى في متعة النساء: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ(1) ، وقال أيضًا: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ(2) ، ففي الآية الأولى جعله حقًا على المحسنين دون غيرهم, وفي الآية الثانية جعله حقًا على المتقين وقيده بالمعروف في كلتا الحالتين. وفي الآيتين: حثٌ للأزواج على التمتيع كي يدخلوا في زمرة المتقين والمحسنين.

وكذلك من الإحسان إليهن العدل بين الزوجات، إذا تزوج المسلم بأكثر من زوجةٍ، فعليه أن يعدل بينهن في الأمور الظاهرة؛ لأن العدل شرط أساسي في التعدد، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا(3) ، قال الطبري: «فإن خفتم أن لا تعدلوا - فيما يلزمكم من العدل بين ما زاد على الواحدة من النساء عندكم بنكاح فيما أوجبه الله لهن عليكم؛ فانكحوا واحدةً منهن«(4)

وقد ورد وعيدٌ شديدٌ لمن لا يعدل بينهن، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ«(5)

قال صاحب العون: «وَالْحَدِيث دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِب عَلَى الزَّوْج التَّسْوِيَة بَيْن الزَّوْجَات, وَيَحْرُم عَلَيْهِ المَيْل إِلَى إِحْدَاهُنَّ, وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّـهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا(6)  وَالمُرَاد: المَيْل فِي الْقَسْم وَالْإِنْفَاق لَا فِي المَحَبَّة؛ لِأَنَّهَا مِمَّا لَا يَمْلِكهُ الْعَبْد«(7)

وكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الله أن يتجاوز عنه في ميل القلب، فكان يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك». فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: «اللَّهمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا أَمْلِكُ». قَالَ أَبُو دَاوُد: «يَعْنِي: الْقَلْبَ«(8)

وكذلك من الإحسان إليهن: عدم المبالغة في ضربهن، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن التجاوز في الضرب لتأديبهن، كما جاء في الحديث عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَمْعَةَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وَعَظَهُمْ فِي النِّسَاءِ وَقَالَ: «عَلَامَ يَضْرِبُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ«(9)

وفي رواية عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَمْعَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ النِّسَاءَ فَوَعَظَ فِيهِنَّ وَقَالَ: «عَلَامَ يَضْرِبُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يُضَاجِعَهَا مِنْ آخِرِ النَّهَارِ أَوْ آخِرِ اللَّيْلِ«(10)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ, فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ, وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ؛ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ, وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ, فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ«(11)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [البقرة:236]

(2) [البقرة:241]

(3) [النساء:3]

(4) تفسير الطبري، (6/373).

(5) سنن أبي داود، كتاب النكاح، باب في القسم بين الزوجات، برقم: (2133).

(6) [النساء:129]

(7) عون المعبود شرح سنن أبي داود، (6/171).

(8) سنن أبي داود، كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء، برقم: (2134).

(9) مسند أحمد (4/17).

(10) المرجع السابق (4/17).

(11) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته، برقم: (3331).



بحث عن بحث