بحث عن بحث

المبحث الرابع: الإحسان مع الأرحام (3-5)

ومن الإحسان إليهم: دعوتهم إلى الإيمان إن كانوا كفارًا، وإلى الاستقامة والثبات على الصالحات إن كانوا مسلمين؛ كما حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إيمان عمه أبي طالب، فعَن ابْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ. فَقَالَ: «أَيْ عَمِّ! قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله». فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ الله بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟! فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ(1) ، وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ(2) «(3)

وهذا يدل على شدة حرصه صلى الله عليه وسلم على إيصال النفع لعمه مكافأةً لما قدم له من العون والنصرة في الجهود الدعوية، ولكن قضاء الله فوق إرادة كل أحد، فلم يوفق للإيمان ومات على الكفر متعصبًا لجاهليته، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِعَمِّهِ: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الجَزَعُ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ(4) (5)

وكذلك الصحابة ي أجمعين كانوا يحرصون على صلة أرحامهم؛ فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يهدي لأخيه من الرضاعة وهو مشرك، فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله غ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله! كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟! قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا», فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا«(6)

وكذلك صنع عثمان رضي الله عنه مع أخيه من الرضاعة عبد الله بن أبي سرح يوم فتح مكة وقد هدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه، فعَنْ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَسَمَّاهُمْ وَابْن أَبِي سَرْحٍ فَذَكَرَ الحَدِيثَ. قَالَ: وَأَمَّا ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله بَايِعْ عَبْدَ الله؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا. كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ, ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ؟ فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا رَسُولَ الله مَا فِي نَفْسِكَ أَلَا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ!! قَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ عَبْدُ الله أَخَا عُثْمَانَ مِن الرِّضَاعَةِ«(7)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [التوبة:113]

(2) [القصص:56]

(3) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب قصة أبي طالب، برقم: (3884).

(4) [القصص:56]

(5) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يغرغر، برقم: (25).

(6) صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب يلبس أحسن ما يجد، برقم: (886).

(7) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب: قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام، برقم:(2683).