المبحث الثامن: الإحسان مع الحيوانات (2-4)

وقد ورد وعيد شديد لمن لا يطعمها ويسقيها بدخول النار؛ فعَن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «دَخَلَت امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ«(1)

وَظَاهِر هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ المَرْأَة عُذِّبَتْ بِسَبَبِ قَتْل هَذِهِ الْهِرَّة بِالْحَبْسِ, قَالَ عِيَاض: يُحْتَمَل أَنْ تَكُون المَرْأَة كَافِرَةً فَعُذِّبَتْ بِالنَّارِ حَقِيقَة, أَوْ بِالْحِسَابِ لِأَنَّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَاب عُذِّبَ.. ثُمَّ يُحْتَمَل أَنْ تَكُون المَرْأَة كَافِرَة فَعُذِّبَتْ بِكُفْرِهَا وَزِيدَتْ عَذَابًا بِسَبَبِ ذَلِكَ, أَوْ مُسْلِمَة وَعُذِّبَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

قَالَ النَّوَوِيّ: «الَّذِي يَظْهَر أَنَّهَا كَانَتْ مُسْلِمَة، وَإِنَّمَا دَخَلَتْ النَّار بِهَذِهِ المَعْصِيَة«(2)

رحمتها والإشفاق عليها؛ لذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم  عن اتخاذها غرضًا؛ فمن الإحسان إليها أن لا تُتَّخذَ غرضًا، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ب: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا«(3)

وعن هشام بن زيد قال: دخلت مع أنس على الحكم بن أيوب فرأى غلمانًا أو فتيانًا نصبوا دجاجةً يرمونها, فقال أنس رضي الله عنه: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهائم«(4)

بل هو ملعون على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ, قَدْ نَصَبُوا طَيْرًا وَهُمْ يَرْمُونَهُ, وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا, فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ لَعَن الله مَنْ فَعَلَ هَذَا. إِنَّ رَسُولَ الله غ لَعَنَ مَن اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا«(5)

وفي رواية: «أن ابْن عُمَرَ رضي الله عنهما دَخَلَ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَغُلَامٌ مِنْ بَنِي يَحْيَى رَابِطٌ دَجَاجَةً يَرْمِيهَا, فَمَشَى إِلَيْهَا ابْنُ عُمَرَ حَتَّى حَلَّهَا, ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا وَبِالْغُلَامِ مَعَهُ، فَقَالَ: ازْجُرُوا غُلَامَكُمْ عَنْ أَنْ يَصْبِرَ هَذَا الطَّيْرَ لِلْقَتْلِ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  نَهَى أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلْقَتْلِ«(6)

يقول النووي: «قَالَ الْعُلَمَاء: صَبْر الْبَهَائِم: أَنْ تُحْبَس وَهِيَ حَيَّة لِتُقْتَل بِالرَّمْيِ وَنَحْوه, وَهُوَ مَعْنَى: لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوح غَرَضًا, أَيْ لَا تَتَّخِذُوا الْحَيَوَان الْحَيّ غَرَضًا تَرْمُونَ إِلَيْهِ, كَالْغَرَضِ مِن الْجُلُود وَغَيْرهَا, وَهَذَا النَّهْي لِلتَّحْرِيمِ, وَلِهَذَا قَالَ صلى الله عليه وسلم  فِي رِوَايَة ابْن عُمَر: «لَعَنْ الله مَنْ فَعَلَ هَذَا»، وَلِأَنَّهُ تَعْذِيب لِلْحَيَوَانِ وَإِتْلَاف لِنَفْسِهِ, وَتَضْيِيع لِمَالِيَّتِهِ, وَتَفْوِيت لِذَكَاتِهِ إِنْ كَانَ مُذَكًّى، وَلِمَنْفَعَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُذَكًّى«(7)

وإذا ذبح حيوانًا لا بد أن يختار له أيسر الطرق لإِرَاحَة الذَّبِيحَةِ بِتَحْدِيدِ الشَّفْرَةِ، وَتَعْجِيلِ إِمْرَارِهَا وَغَيْرِهِ, وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم  على هذا الأمر في الحديث الذي نحن بصدده: «فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ, وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ, وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ«

قال النووي: «قَوْله صلى الله عليه وسلم : «وَلْيُحِدَّ» هُوَ بِضَمِّ الْيَاء، يُقَال: أَحَدّ السِّكِّين وَحَدَّدَهَا وَاسْتَحَدَّهَا بِمَعْنًى, وَلْيُرِحْ ذَبِيحَته, بِإِحْدَادِ السِّكِّين وَتَعْجِيل إِمْرَارهَا وَغَيْر ذَلِكَ, وَيُسْتَحَبّ أَلَّا يُحِدّ السِّكِّين بِحَضْرَةِ الذَّبِيحَة, وَأَلَّا يَذْبَح وَاحِدَة بِحَضْرَةِ أُخْرَى, وَلَا يَجُرّهَا إِلَى مَذْبَحهَا. وَقَوْله صلى الله عليه وسلم : «فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَة» عَامّ فِي كُلّ قَتِيل مِنْ الذَّبَائِح, وَالْقَتْل قِصَاصًا, وَفِي حَدّ وَنَحْو ذَلِكَ. وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ الْأَحَادِيث الْجَامِعَة لِقَوَاعِد الْإِسْلَام. وَالله أَعْلَم«(8)

وقال ابن حجر: «قَالَ ابْن أَبِي جَمْرَة: فِيهِ رَحْمَة الله لِعِبَادِهِ حَتَّى فِي حَال الْقَتْل, فَأَمَرَ بِالْقَتْلِ, وَأَمَرَ بِالرِّفْقِ فِيهِ. وَيُؤْخَذ مِنْهُ قَهْره لِجَمِيعِ عِبَاده؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُك لِأَحَدٍ التَّصَرُّف فِي شَيْء إِلَّا وَقَدْ حَدّ لَهُ فِيهِ كَيْفِيَّة«(9)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب خمس من الدواب، برقم: (3318).

(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني: (6/ 357-358).

(3) صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب النهي عن صبر البهائم، برقم: (1957).

(4) صحيح البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة، برقم: (5513).

(5) صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب النهي عن صبر البهائم، برقم: (1958).

(6) صحيح البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب ما يكره من المثلة والمصبورة، برقم: (5514).

(7) شرح صحيح مسلم للنووي (المجلد الخامس) (13/ 108).

(8) المرجع السابق (13/ 107).

(9) شرح صحيح البخاري للعسقلاني، (9/644).



بحث عن بحث