المبحث التاسع: الإحسان مع الجمادات (2-2)

يقول الإمام النووي: «فِيهِ مُعْجِزَة لَهُ صلى الله عليه وسلم. وَفِي هَذَا إِثْبَات التَّمْيِيز فِي بَعْض الْجَمَادَات، وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْحِجَارَة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وَقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، وَفِي هَذِهِ الْآيَة خِلَاف مَشْهُور, وَالصَّحِيح أَنَّهُ يُسَبِّحُ حَقِيقَة, وَيَجْعَلُ الله تَعَالَى فِيهِ تَمْيِيزًا بِحَسْبِهِ كَمَا ذَكَرْنَا, وَمِنْهُ الْحَجَر الَّذِي فَرَّ بِثَوْبِ مُوسَى صلى الله عليه وسلم, وَكَلَام الذِّرَاع المَسْمُومَة, وَمَشْي إِحْدَى الشَّجَرَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى حِين دَعَاهُمَا النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم, وَأَشْبَاه ذَلِكَ«(1)

وكذلك ما ثبت أن الجذع بكى حينما قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وترك الجذع؛ فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنهما: أَنَّ امْرَأَةً مِن الْأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: «يَا رَسُولَ الله! أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا، قَالَ: إِنْ شِئْتِ. قَالَ: فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ, فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ، فَصَاحَت النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ تَنْشَقُّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ, فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ, قَالَ: بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِن الذِّكْرِ«(2)

وعند الترمذي بلفظ: «حَنَّ الجذع حنين الناقة». فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خَطَبَ إِلَى لِزْقِ جِذْعٍ، وَاتَّخَذُوا لَهُ مِنْبَرًا, فَخَطَبَ عَلَيْهِ فَحَنَّ الجِذْعُ حَنِينَ النَّاقَةِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ غ فَمَسَّهُ فَسَكَنَ». قَالَ أَبُو عِيسَى: وَحَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ(3)

وكما ثبت للنبي موسى عليه السلام أن الحجر فر بثيابه بأمر من ربه؛ لكي يبرأ موسى من العيب الذي كان يتهمه قومه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ؛ إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ وَإِمَّا آفَةٌ، وَإِنَّ الله أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى, فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ, فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا وَإِنَّ الحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الحَجَرَ, فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ.. ثَوْبِي حَجَرُ. حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ الله، وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ, وَقَامَ الحَجَرُ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ، وَطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ؛ فَوَالله إِنَّ بِالحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا(4) «(5)

يقول ابن حجر: «وَفِيهِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ فِي خَلْقِهِمْ وَخُلُقِهِمْ عَلَى غَايَةِ الْكَمَالِ, وَأَنَّ مَنْ نَسَبَ نَبِيًّا مِن الْأَنْبِيَاءِ إِلَى نَقْصٍ فِي خِلْقَتِهِ فَقَدْ آذَاهُ، وَيُخْشَى عَلَى فَاعِلِهِ الْكُفْرُ. وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ, وَأَنَّ الْآدَمِيَّ يَغْلِبُ عَلَيْهِ طِبَاعُ الْبَشَرِ؛ لِأَنَّ مُوسَى عَلِمَ أَنَّ الْحَجَرَ مَا سَارَ بِثَوْبِهِ إِلَّا بِأَمْرٍ مِن الله, وَمَعَ ذَلِكَ عَامَلَهُ مُعَامَلَةَ مَنْ يَعْقِلُ حَتَّى ضَرَبَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بَيَانَ مُعْجِزَةٍ أُخْرَى لِقَوْمِهِ بِتَأْثِيرِ الضَّرْبِ بِالْعَصَا فِي الْحَجَرِ«(6)

فيتضح مما سبق: أن لله آياتٍ بيناتٍ في خلقه، فلا يقدم الإنسان على إفساده؛ لأن الله لا يحب الفساد، وبالعكس يحفظها ويستفيد منها بالمعروف من دون إسرافٍ ولا تقتيرٍ، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم من الإسراف في الماء وإن كان الإنسان على نهرٍ جارٍ، فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: «مَا هَذَا السَّرَفُ؟ فَقَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ«(7)

قال صاحب عون المعبود: «أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى النَّهْي عَن الْإِسْرَاف فِي المَاء وَلَوْ فِي شَاطِئ الْبَحْر, لمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ عَن عَبْد الله بْن عَمْرو رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأ, فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَف يَا سَعْد؟ قَالَ: أَفِي الْوُضُوء سَرَف؟ قَالَ: نَعَمْ. وَإِنْ كُنْت عَلَى نَهَر جَارٍ«(8)

فليحرص الإنسان على مبدأ الإحسان مع جميع الخلائق من الحيوانات والجمادات، وإن المسلم ليؤجر بكل شيء تستفيد منه ذوات الأرواح, كما جاء في الحديث عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا, أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا, فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ, أَوْ إِنْسَانٌ, أَوْ بَهِيمَةٌ, إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ«(9)

فهذه بعض الآداب وطرق الإحسان إلى الحيوانات والجمادات، فليبذل الإنسان ما فيه قصارى جهده على إيصال النفع إلى جميع الخلائق بما استطاع إليه سبيلًا، ويمسك شره عنها، عسى أن يكون من عباده الصالحين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح صحيح مسلم للنووي، (المجلد الخامس)، (15/36- 37).

(2) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب النجار، برقم: (2095).

(3) جامع الترمذي، كتاب المناقب، باب في آيات إثبات نبوة النبي، برقم: (3627).

(4) [الأحزاب:69]

(5) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى، برقم: (3404). والآية من [الأحزاب:69].

(6) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (6/438).

(7) سنن ابن ماجه، كتاب الطهارة، باب ما جاء في القصد في الوضوء، برقم: (425)، ومسند أحمد، مسند المكثرين (2/221).

(8) عون المعبود شرح سنن أبي داود للعظيم آبادي، (1/170).

(9) صحيح البخاري، كتاب المزارعة، باب فضل الزرع والغرس، برقم: (2320).



بحث عن بحث