الوقفة السادسة: الإحسان في العمل (2-4)

واستعمال الطرق المباحة في الزراعة لزيادة الإنتاج، فهذا لا ينافي التوكل، بل هذا من التدبير الجائز، كما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تأبير النخل، ثم أباحه حينما نقص الإنتاج، وذكر قاعدة مهمة في امتثال أوامره، فعن رَافِع بْن خَدِيجٍ ا قَالَ: قَدِمَ نَبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ –يَقُولُونَ: يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ- فَقَالَ: «مَا تَصْنَعُونَ؟» قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ. قَالَ: «لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا». فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ. قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ؛ فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ, وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ«(1)

فيفهم من هذا الحديث: أن «التكنولوجيا» الزراعية الحديثة، و«التقنية» التي تزيد القدرة الإنتاجية للزرع يستحب استعمالها، والاستفادة من منافعها، وأن هذا لا ينافي التوكل، بل هو من الأخذ بالأسباب المشروعة.

وإخراج زكاتها: وقد جاء في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنه، النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «فِيمَا سَقَت السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ, وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْر«(2)

ويرجع إلى كتب الفقه لمعرفة التفاصيل في مقدار الزكاة.

وإخراج الزكاة سبب النماء في الإنتاج والعصمة من الآفات، وأن الله يحفظه من كل مكروه, ويبارك في عمله, كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلمقصة رجل من بني إسرائيل الذي كان يراعي حقوق العباد في زرعه؛ فعَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ! فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ, فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ, فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدْ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ المَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ المَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ المَاءَ بِمِسْحَاتِهِ, فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ الله مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ. لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ, فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ الله! لِمَ تَسْأَلُنِي عَن اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ, فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَما إِذْ قُلْتَ هَذَا؛ فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ, وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ...»، وفي رواية: «وَأَجْعَلُ ثُلُثَهُ فِي المَسَاكِينِ وَالسَّائِلِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ«(3)

قال النووي في شرحه: «وَفِي الْحَدِيث فَضْل الصَّدَقَة وَالْإِحْسَان إِلَى المَسَاكِين، وَأَبْنَاء السَّبِيل, وَفَضْل أَكْل الْإِنْسَان مِنْ كَسْبه, وَالْإِنْفَاق عَلَى الْعِيَال«

وإن البخل وإمساك اليد يستوجب رفع البركة منه، وحلول غضب الله على صاحبه، كما يجلب الدمار والهلاك لزرعه، وإصابة آفات سماوية لحقله، وقصة أصحاب الجنة خير دليل وأصدق شاهد على قولنا؛ فلما بخلوا وأرادوا منع الفقراء والمساكين من الوصول إلى حديقتهم أنزل الله على حديقتهم آفة سماوية فاستحالت عن النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مدلهمة، لا ينتفع بشيء منها. قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴿١٧﴾ وَلَا يَسْتَثْنُونَ ﴿١٨﴾ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴿١٩﴾ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴿٢٠﴾ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ﴿٢١﴾ أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ ﴿٢٢﴾ فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ﴿٢٣﴾ أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ ﴿٢٤﴾ وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴿٢٥﴾ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ﴿٢٦﴾ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴿٢٧﴾ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ﴿٢٨﴾ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿٢٩﴾ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ ﴿٣٠﴾ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ﴿٣١﴾ عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ ﴿٣٢﴾ كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(4)  .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكر... برقم: (2362).

(2) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب: العشر فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري، برقم: (1483).

(3) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب الصدقة في المساكين، برقم: (2984).

(4) [القلم:17-33]



بحث عن بحث