الوقفة الثامنة:  أثر الإحسان على الفرد في الدنيا والآخرة (4-4)

يكون المحسن من أشجع الناس: لأن المحسن يعيش وهو بعيد من العقد النفسية، وهذا يورثه شجاعة وجرأة، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أشجع الناس؛ لأنه كان من أحسن الناس، كما جاء في الحديث: عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أنه قَالَ لما ذُكِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ, وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ, وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ, وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ المَدِينَةِ لَيْلَةً فَانْطَلَقُوا قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! لَنْ تُرَاعُوا.. يَرُدُّهُمْ، ثُمَّ قَالَ لِلْفَرَسِ: وَجَدْنَاهُ بَحْرًا، أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ«(1)

قال الحافظ: «فَجَمَعَ صِفَات الْقُوَى الثَّلَاث الْعَقْلِيَّة وَالْغَضَبِيَّة وَالشَّهْوَانِيَّة, فَالشَّجَاعَة تَدُلّ عَلَى الْغَضَبِيَّة, وَالْجُود يَدُلّ عَلَى الشَّهْوَانِيَّة, وَالْحُسْن تَابِع لِاعْتِدَالِ الْمِزَاج المُسْتَتْبِع لِصَفَاءِ النَّفْس الَّذِي بِهِ جَوْدَة الْقَرِيحَة الدَّالّ عَلَى الْعَقْل, فَوُصِفَ بِالْأَحْسَنِيَّة فِي الْجَمِيع ٌ«(2)

وعن جُبَيْر بْن مُطْعِمٍ ا: «بَيْنَمَا كان يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ النَّاسُ مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ, فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ, فَوَقَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، وَلَا كَذُوبًا، وَلَا جَبَانًا ٌ«(3)

قال الحافظ: «فَأَشَارَ بِعَدَمِ الْجُبْن إِلَى كَمَالِ الْقُوَّة الْغَضَبِيَّة وَهِيَ الشَّجَاعَة, وَبِعَدَمِ الْكَذِب إِلَى كَمَالِ الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة وَهِيَ الْحِكْمَة, وَبِعَدَمِ الْبُخْل إِلَى كَمَالِ الْقُوَّة الشَّهْوَانِيَّة وَهُوَ الْجُود ٌ«(4)

والإحسان سبب لعلاج الأمراض بمختلف أنواعها، فالصدقة من الإحسان، وقد جاء في الحديث: «داووا مرضاكم بالصدقة ٌ«(5)

وورد أيضًا عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ, وَتَدْفَعُ عَن مِيتَةِ السُّوءِ». قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ(6)

أيضًا: «صدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وفعل المعروف يقي مصارع السوء ٌ«(7)

وغيرها من الفوائد كثيرة، وما ذكر غيض من فيض من ثماره الطيبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل، برقم: (6033)، وسنن ابن ماجه، كتاب الجهاد، باب الخروج في النفير، برقم: (2772).

(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري للعسقلاني (6/571).

(3) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الشجاعة في الحرب، برقم: (2821).

(4) فتح الباري شرح صحيح البخاري للعسقلاني (6/571).

(5) رواه أبو الشيخ في الثواب عن أبي أمامة، وحسنه الألباني، ينظر: صحيح الجامع الصغير للألباني, (3/140)، برقم: (3353).

(6) جامع الترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في فضل الصدقة، برقم: (664).

(7) صححه الألباني، ينظر: صحيح الجامع الصغير، برقم: (3654).

أضف تعليق

كود امني
تحديث



بحث عن بحث