الوقفة التاسعة: أثر الإحسان على المجتمع (2-3)

الإنفاق والإيثار: إن هذا المجتمع يتمتع أفراده بصفة الإنفاق والإيثار، كما تمثلت في سلوك الصحابة الكرام التي وصلت إلى ذروتها حتى آثروا بعضهم على أنفسهم، مع ما ينالهم من الضيق في العيش، كما أشار القرآن إلى هذه الصفة الحميدة فيهم في قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ(1) .

ولقد حفظت لنا كتب التاريخ عجائب تذكر بأمثلة الصحابة ي في الإنفاق والإيثار، ويكفي للمثال قصة صاحب الغار أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ومن أروع القصص من حياته ما حدث في غزوة تبوك، يقول زَيْد بْن أَسْلَمَ عَن أَبِيهِ: قَال سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَقُولُ: «أَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالًا؛ فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، قَالَ: فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ ؟ قُلْتُ: مِثْلَهُ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمْ الله وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: وَالله لَا أَسْبِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا». قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(2)

وإن النبي صلى الله عليه وسلم ربى الصحابة على هذه الخصلة النبيلة، وإن المتأمل في مجتمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم في اتصافهم بهذه الخصلة يرى في أولئك البررة خير مثال يحتذى في علو همتهم، وصادق عزيمتهم، وتسابقهم في الإنفاق في السراء والضراء، وإيثار الآخرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.

استشعار المسؤولية: إن المحسنين ليسوا أسعد الناس حالًا فحسب؛ بل هم مع ذلك أقدر على العمل والإنتاج، وأكثر احتمالًا للمسؤولية، وأصلح لمواجهة الشدائد، ومعالجة الصعاب، وأجدر بالإتيان بعظائم الأمور التي تنفعهم وتنفع الناس، علو الهمة وعزة النفس، فهذا عقبة بن نافع أحد قادة بني أمية يقف : في أقصى المغرب بعد أن خاض بجواده بحر الظلمات المسمى بالمحيط الأطلسي يقف قائلًا: «اللهم ربَّ محمد لولا هذا البحر لفتحت الدنيا في سبيل إعلاء كلمتك.. اللهم فاشهد«

وهذا قتيبة الباهلي الذي توغل في آخر المشرق وأبى إلا أن يدخل بلاد الصين، فقال له أحد أتباعه محذرًا مشفقًا: لقد أوغلت في بلاد الترك يا قتيبة، والحوادث بين أجنحة الدهر تقبل وتدبر، فأجابه قتيبة بقوله الخالد: «بثقتي بنصر الله توغلت، وإذا انقضت المدة لم تنفع العدة»، فلما رأى ذلك المحذر عزمه وتصميمه على المضي قال له: «اسلك سبيلك يا قتيبة فهذا عزمٌ لا يفله إلا الله«

ولكن مع هذه الفتوحات العظيمة لم يظلموا الناس، ولم يطغوا، ولم يتجبروا عليهم، بل عاملوهم كما يعاملون أبناءهم وإخوانهم بالإحسان في كل شيء، ولذلك دخلوا في دين الله أفواجًا.

لذا نوصي الإخوة القراء أن يكون المسلم صاحب همة، وأن يجعل هدفه في الحياة الذروة في كل شيء، كما يقول الشاعر:

وإذا كانـت النفـوس كبـارًا         تعبـت فـي مـرادها الأجسـام

مجتمع يكون أفراده من أحسن الناس خلقًا، وأكثرهم حلمًا وسماحةً وتواضعًا، وأحرصهم على مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ويمكن أن نرى هذا الأنموذج الرفيع في مجتمع الصحابة، حيث كانوا من خير المجتمعات وأزكاها، تمثلوا أخلاق الإسلام وتعاليمه وآدابه في جميع شئونهم، وكان من نتيجة ذلك أن مجتمعهم وصل إلى أعلى قمة في الإحسان، فنعموا بالحياة الطيبة، وقويت هيبتهم في نفوس أعدائهم، وشهد لهم الأعداء قبل الأصدقاء بحسن خلقهم، وإن مما ساعد انتشار الإسلام حسن خلقهم وإحسانهم مع الناس، وتواضعهم مع خلق الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الحشر:9]

(2) جامع الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر وعمر، برقم: (3675).

أضف تعليق

كود امني
تحديث



بحث عن بحث