بحث عن بحث

حقوق ولاة الأمر(2)

 

الحمد لله العلي الأعلى، الذي خلق فسوّى، وقدّر فهدى، أحمده سبحانه وأشكره، أنعم علينا بنعم لا تُعدُّ ولا تُحصى، وأُصلي وأُسلم على النبي المجتبى والرسول المصطفى، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان وعلى نهجهم اقتفى، وعلى هديهم سار واهتدى.

 

 

أما بعد:

فقد تحدَّثنا في الدرس السابق عن حق من أهم الحقوق على المسلم، تضافرت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة عليه، ذلكم هو حق ولاة الأمر، وقد عرضنا لأول حق من حقوق ولي الأمر، وهو السمع والطاعة، وعرفنا بعض الأدلة على ذلك، وأنه من صُلب عقيدة أهل السنة والجماعة، وأن المسلم لابد وأن يسمع ويطيع في العسر واليسر، والمنشط والمكره، والمحبة والكره، وأنه لا يجوز له أن ينزع يدًا من طاعة، ما لم يؤمر بمعصية، هذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة منذ عصر الصحابة ي إلى أن تقوم الساعة، بها يعتقدون، وبها يتقربون إلى الله؛ لأنها من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبها يتميزون عن غيرهم من أهل الأهواء والضلال، فألزموا بها أنفسهم، وحثوا غيرهم على لزومها، فجاءت أقوالهم وأعمالهم ناطقة بهذا الحق مؤكدة عليه، كما عرضنا بعضها.

 

 

وفي هذا الدرس نعرض لباقي حقوق ولاة الأمر:

الحق الثاني: الاجتماع على الوالي، وعدم الفرقة والاختلاف عليه، فالاجتماع رحمة، والفُرْقَة شر، وكلما اجتمعت الأمة على الوالي؛ قويت شوكتها، وشاع الأمن فيها، واطمأن الناس، وهابها أعداؤها، واستقام أمرها، فعن حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنّا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم» قلت: وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخن» قال: قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر» قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها» فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا، قال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا» قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك»([2]).

 

 وأخرج الإمام أحمد وغيره بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أكرم سلطان الله تبارك وتعالى في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله تبارك وتعالى في الدنيا أهانه الله يوم القيامة»([4]).

 

فدلت هذه النصوص الكريمة على وجوب توقير الإمام وإكرامه وتعزيره، الذي هو في الحقيقة إكرام وتوقير للإسلام الذي حثَّ على هذا التقدير والتبجيل للقائم بأمر الأمة؛ تقديرًا لما يتحمله من أعباء عظيمة ومهام جسيمة. وقد ربط الله تعالى إجلاله بإكرام الإمام المقسط، كما في حديث أبي موسى رضي الله عنه مرفوعًا: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط»([6])، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى يرضى لكم ثلاثًا، ويسخط لكم ثلاثًا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولّاه الله أمركم...» الحديث(

 

وليعلم من يتولّى النصيحة أن لها آدابًا يجب أن يتحلى بها: من الحكمة، والقول اللين، والخطاب المناسب، والكلمة الطيبة، ووضع كل شيء في موضعه، فقد قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[آل عمران: 159]، وقال سبحانه لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه: 44]، فالإسلام يربي أفراده على الخُلق الحسن، والكلام الطيب، والمخاطبة اللينة، والتعامل الكريم. والنصيحة بدون ذلك تكون معرضة لعدم القبول؛ بل قد ينقلب هدفها إلى أمور غير سليمة.

 

أخي المسلم الكريم! إن الإسلام عندما نظم العلاقة بين الراعي والرعية على هذه الأسس المتينة والثوابت المستقرة، أراد للأمة المسلمة أن تكون أمة متميزة بين الأُمم، في علاقاتها وأمنها ورخائها وتعاونها، فإذا قامت الرعية بهذه الحقوق خلّفت آثارًا إيجابية على الأمة بأكملها، ومنها:

 

الأجر والثواب الجزيل من الله عز وجل؛ إذْ إنهم يطيعون الله تعالى بقيامهم بهذه الحقوق.

 

وفي تلاحم الرعية مع الراعي تمكين لقوة الأمة وعزها ورفعتها بين الأُمم.

 

وفي تعاون الرعية مع الراعي اتجاه الأُمة للبناء والتنمية، وانشغالهم بما يصلح حالهم ويطور حضارتهم ويميزهم بين الأمم.

 

وبالعلاقة المتينة بين الراعي والرعية ينتشر الأمن والرخاء، ويعم الخير والنفع سائر أرجاء البلاد، فما بليت أمة بأعظم من الفرقة والشحناء والاختلاف والتحزب، وفي ذلكم أيضًا عدم نفاذ الأعداء بين صفوفهم، فلا ينفذ عدو إلا بضعف مقابله، كما هي سنة الله تعالى في خلقه.

 

أسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في دينه، والسير على منهاج نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأن يوفقهم ويسدد على دروب الخير خطاهم، إنه سميع مجيب، وهو المستعان.

 

([2]) رواه ابن أبي عاصم في «السنة»، (ص: 513) برقم (1079).

([4]) رواه الإمام أحمد (5/241)، وابن أبي عاصم في «السنة» برقم (1021).

([6]) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة (55).

([7]) رواه مالك في الموطأ، كتاب الجامع، باب ما جاء في إضاعة المال وذي الوجهين، وأحمد في المسند (2/327، 360).