بحث عن بحث

العلم حياة القلوب

 

الحاصل -أخي المسلم-: أن العلم حياة القلوب، ونور البصائر، وشفاء الصدور، ورياض العقول، ولذة الأرواح، وأنس المستوحشين، ودليل الحائرين، وهو الميزان الذي توزن به الأقوال والأفعال والأحوال، وهو الهادي إلى الهدى والرشد، والمنقذ من الهلاك والضلال، وهو الصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والكاشف عن الشبهة، مذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وطلبه قربة، وبذله صدقة، ومدارسته تعدل بالصيام والقيام، والحاجة إليه أعظم من الحاجة إلى الطعام والشراب.

 

هكذا العلم، وهكذا العلماء، ولذا جعل الله لهم حقوقًا على الآخرين، وتتركز هذه الحقوق في أمور، من أهمها: احترامهم وتقديرهم، واستشعار مكانتهم، وعظم منزلتهم، قال طاوس بن كيسان: «من السنة أن يوقَّر العالم».

 

ومن مبادئ عقيدة أهل السنة والجماعة: احترام العلماء وتوقيرهم، ومن حقوقهم-بل ومن احترامهم-: احترم آرائهم وأقوالهم وأحكامهم، والرجوع إليهم لمعرفة الأحكام الشرعية، وبخاصة في القضايا الكلية، والمسائل الجذرية، وما يحدث في واقع الناس؛ فهم أهل العلم والبصيرة، وأهل الفهم والنظر، وأهل الفقه في الدِّين والواقع، وهم العارفون بالشريعة وأحكامها وأدلتها وقواعدها وأصولها وضوابطها وجزئياتها، فإذا ما اختلت هذه النظرة وتمسَّك كل صاحب رأي برأيه، وجُعل العالمُ وغيره سواء؛ ضل وضلت الأمة، فصارت تتخبط في مسالك وعرة وطرق معوجة.

 

ومن حقوق العلماء -بل ومن مقتضى احترامهم-:

عدم خدش أعراضهم، أو التفكُّه بإيذائهم بالقول أو الفعل، فهم من أولياء الله تعالى، وقد روى البخاري رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب»([2]).

قال أبو حنيفة :: «إن لم يكن الفقهاء أولياء الله فليس لله ولي»، وقال ابن عباس ب: «من آذى فقيهًا فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد آذى الله»، ولا شكَّ أن غيبة كل مسلم محرمة وكبيرة من كبائر الذنوب، فكيف بغيبة من يعظم قدره كالعلماء!

واعلم -أخي المسلم- أن إيذاء العلماء بجرحهم جرح للعلم نفسه؛ إذْ إنهم يحملون ميراث محمد صلى الله عليه وسلم، وبجرحهم يستهان بهم في نظر العامة، وإذا استهانت بهم العامة نفذ الأعداء إلى صفوف الأمة بأكملها.

ومن حقوق العلماء: حمل أقوالهم وآرائهم لمن يخالفها -ممن هو مثلهم- على المحمل الحسن، قال عمر بن الخطاب ا: «لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءًا وأنت تجد لها في الخير محملًا»، وأقول: كيف وإن كان القائل أحد علماء الأمة الذين تستنير بهم؟

ومن حقوقهم: التثبت مما يشاع حولهم، أو حول بعضهم، من أقوال أو فتاوى أو تصرفات، ولقد تساهل بعض الناس بإشاعة ما يروق لهم عن أهل العلم والفضل في المجالس والمنتديات بدون تثبت أو تروٍّ أو تأكد، وإذا كان التثبُّت واجبًا فيما ينقل عن سائر الناس، فما ينقل عن العلماء وأهل الفضل أولى بذلك.

ومن حقوقهم: الدعاء لهم بظهر الغيب، فهم أهل فضل على الأمة، وقد أفنوا جهودهم وأعمارهم وأوقاتهم فيما هو خير للأمة بأكملها، وسهروا ليلهم وأتعبوا أبدانهم، فلا أقل من دعوات صادقة بظهر الغيب لهم بالتوفيق والتسديد والخير والصلاح والإعانة والأجر والثواب؛ ليؤدَّى بعض الحق الواجب لهم.

ومن حقوقهم: الدفاع عن أعراضهم، وصيانتهم، وعدم السماح بالوقعية فيهم، أو الاستهزاء والتهكم بهم، فإذا لم يُدافع عن أهل العلم والتقى والصلاح فلا خير في هذه الأمة.

أخي المسلم الكريم! إن الحديث عن حقوق العلماء أعظم من أن يُوفّى حقه في هذه السطور؛ بل لقد أُلفت مؤلفات، وصنفت مصنفات، توضِّح مكانة العلماء وتعرّف بحقوقهم، وتحذِّر من الوقيعة فيهم وإيذائهم.

لذا ينبغي علينا أن نوقّر العلماء، وننشر علمهم بين الناس، فإن في ذلك إحسانًا إلى الخلق، وأداءً لبعض حق العلماء علينا.

كما أن من الإحسان إلى العلماء والبر بهم: الدعاء لهم بعد وفاتهم، وأن يخلف الله على الأمة من يقوم بما قاموا به، فإن العلم يُقْبَضُ بذهاب العلماء، كما في الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فَضَلُّوا وأضلوا»(

 

أخي المسلم!

كانت هذه وقفات مع بعض الحقوق الواجبة لعلماء الأمة؛ لنتذكرها ونعيها، فما قامت أمة بحقوق ولاتها وعلمائها إلا كانت قوية منصورة، موفقة في الدنيا والآخرة، عزيزة كريمة، يهابها أعداؤها.

 

أسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال، وأن يوفقنا وعلماءنا وولاة أمورنا لكل ما فيه الخير والصلاح، وأن يغفر لنا ولهم ولوالدينا ولجميع المسلمين، إنه سميع مجيب، وهو المستعان.


([2]) رواه مسلم في كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان (2737)، واللفظ له، وأخرجه البخاري برقم (100)، والترمذي (2657)، وابن ماجه (52).

([1]) رواه مسلم في كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان (2737)، واللفظ له، وأخرجه البخاري برقم (100)، والترمذي (2657)، وابن ماجه (52).