بحث عن بحث

p  ثالثًا: من التجديد: المنهجية في الدعوة:

n    منها: التخطيط السليم في الدعوة :

إن الدعوة إلى الله كأي عمل آخر تحتاج إلى تخطيط سليم، وتدبير دقيق, ويترتب عليه نجاح الدعوة وفشلها بعد إرادة الله تعالى، وكان الرسول  صلى الله عليه وسلم  يسير في دعوته بتخطيط مدروس, وهذا واضح في سيرته الدعوية كلها, بل كان يسير بعناية الله تعالى, فنرى مثلًا واقعة الهجرة, كيف خطّط تخطيطًا دقيقًا حتى وصل برعاية الله تعالى إلى المدينة سالمًا بدون أن يصيبه أحد بأذى. وهكذا يجب أن تسير الدعوة في جميع مشاريعها على مستوى الداعية الفرد، وعلى مستوى الدعوة بأكملها.

التخطيط السليم والمنهجية في الدعوة من أسباب النجاح في الدعوة؛ لأن الدين دين الله تعالى، ولن تغلق الأبواب كلها، بل إن سدّ له باب انفتح له باب آخر، ومن ثم فلا ييأس الداعية من العوائق، بل يحسبها من مقدمات النجاح.

n    ومنها: المحاسبة والتقويم:

يلزم للدعوة أن تحاسب نفسها بعد كل فترة, وتقوّم عملها وأهدافها ومشاريعها بين حين وآخر, هل طرأ على أفرادها كلل أو فتور؟ وهل هم على جادة الصواب أم جانبوها؟ وهل هم مستمرون على المنهج السليم أو اختاروا المنهج الفاسد؟ وما هي الثمار التي اقتطفوها خلال هذه المدة؟ وما هي النتائج التي استثمروها في دعوتهم؟ وكما يلزم هذا التقويم أي مشروع دعوي، فيلزم كل فرد داعية لأجل أن يكون ذلك عاملًا في استمراره في دعوته.

n    ومنها: التوازن بين المتطلبات العقلية والروحية والجسمية, في البيت, والشارع, والميدان, والمدرسة، فرسول الله  صلى الله عليه وسلم  كان يشارك أهله، ويقود الجيش, ويقوم الليل, وهكذا في جميع الأمور، فلنا في رسول الله أسوة حسنة.

وينبني عليه عدم الغلو أو التقصير, أو الإفراط أو التفريط، كما قال تعالى عن صفات عباده: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [سورة الفرقان:67]. فيجتنب الإفراط والتفريط في الدعوة، فلا يقصر ولا يتجاوز الحد، والطريق الوسط هو المطلوب في جميع الأمور، وكما نعلم أن خير الأمور أوسطها.

وإن الشريعة كاملة وشاملة فلا تفرق بين الدين والدنيا، بل جميع الأعمال تصير عبادةً بنية التعبد لله ﻷ، ولذلك علَّمنا الرسول بأن نهتم بجميع الأمور التي تحتاجها الأمة، ونسأل الله العافية والحسنة في هذه الدنيا وفي الآخرة، في الحديث عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم : «اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً, وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً, وَقِنَا عَذَابَ النَّار».

يقول ابن حجر: «قَالَ عِيَاض: إِنَّمَا كَانَ يُكْثِر الدُّعَاء بِهَذِهِ الآيَة لِجَمْعِهَا مَعَانِي الدُّعَاء كُلّه مِنْ أَمْر الدُّنْيَا وَالآخِرَة, قَالَ: وَالحَسَنَة عِنْدهمْ هَاهُنَا النِّعْمَة, فَسَأَلَ نعيم الدُّنْيَا وَالآخِرَة وَالوِقَايَة مِن العَذَاب, نَسْأَل الله تَعَالَى أَنْ يَمُنّ عَلَيْنَا بِذَلِكَ وَدَوَامه».

وَقَالَ الشَّيْخ عِمَاد الدِّين ابن كَثِير: «فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر، فإن الحَسَنَة فِي الدُّنْيَا تَشْمَل كُلّ مَطْلُوب دُنْيَوِيّ؛ مِنْ عَافِيَة, وَدَار رَحْبَة, وَزَوْجَة حَسَنَة, وَرِزْق وَاسِع, وَعِلم نَافِع, وَعَمَل صَالِح, وَمَرْكَب هَنِيء, وَثَنَاء جَمِيل إِلَى غَيْر ذَلِكَ, مِمَّا شَمِلَتْهُ عِبَارَات المفسرين، ولا منافاة بينها، فَإِنَّهَا كُلّهَا مُنْدَرِجَة فِي الحَسَنَة فِي الدُّنْيَا, وَأَمَّا الحَسَنَة فِي الآخِرَة: فَأَعْلَاهَا دُخُول الجَنَّة, وَتَوَابِعه مِن الأَمْن مِن الفَزَع الأَكْبَر فِي العَرَصَات, وَتَيْسِير الحِسَاب, وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُور الآخِرَة, وَأَمَّا الوِقَايَة مِنْ عَذَاب النَّار فَهُوَ يَقْتَضِي تَيْسِير أَسْبَابه فِي الدُّنْيَا مِن اجْتِنَاب المَحَارِم والآثام، وَتَرْك الشُّبُهَات والحرام».

كما جمع النبي  صلى الله عليه وسلم  مسألة صلاح الدين والدنيا في أدعية كثيرة، منها هذا الدعاء المروي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله  صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي, وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي, وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي, وَاجْعَل الحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ, وَاجْعَل المَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ».

فعلى الداعي أن يوجد توازنًا بين الدعوة وأمور الدنيا، فإن أهمل الدعوة خسر الآخرة، وإن أهمل الدنيا فلعله يبتلى بفقر مدقع فلا يصبر، والأمر بينهما.

n    ومنها: اختيار أقوى الطرق تأثيرًا إلى قلب المدعو بحسب ما تيسر من الوسائل:

وقد أشير إلى قاعدتها في هذه الآية الكريمة، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [سورة النحل:125].

فأمر الله نبيه أن يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن؛ برفق, ولين, وحسن خطاب، كما قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [سورة العنكبوت:46].

ومن الحكمة: العمل بها بمعرفة المكان والزمان والحال التي يمارس فيها الدعوة؛ فالحكمة وضع الشيء في موضعه، وقد أمر الله تعالى نبيه بها، فقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [سورة النحل:125].

ومن الحكمة: اغتنام الفرصة المناسبة للدعوة، وهذا ما نجده في قصة يوسف حين جاءه الفتيان وقصَّا عليه رؤياهما واستفسرا التعبير, فاغتنم الفرصة ودعاهم إلى التوحيد والبراءة من الشرك قبل أن يخبرهما بالتعبير. قال تعالى: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿39مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة يوسف:39-40].

n    ومنها: اختيار المكان المناسب للدعوة، كما كان النبي  صلى الله عليه وسلم  يختار المسجد لتوجيه الصحابة إلى الخير, فيختار الداعية لدعوته المسجد, أو مكانًا هادئًا, بعيدًا عن الأسواق والشوارع التي فيها شغب وصخب، أو أمكنة الملاهي، ونحو ذلك.

n    ومنها: اختيار الموضوع المناسب للدعوة؛ لأن لكل فنٍ رجالًا, ولكل مقامٍ مقالًا, فيختار الموضوع المناسب للمقام, حتى لا يثقل على المدعوين, وبالتالي يفقد استجابتهم لكلامه.

n    ومنها: مراعاة أحوال المدعوين, هل هم الجمهور من العوام, أو النخبة المثقفة منهم، أو من الطلاب, أو الطالبات, أو الأطباء, أو الدعاة وهكذا. فيلزم الداعية إعطاء كل ذي حق حقه، في نوعية الخطاب والكلام، فالرجال يختلفون عن النساء، والصغار يختلفون عن الكبار، وهكذا.

n    ومنها: تنوع البرامج: البرامج الدعوية إذا كانت على نمط واحد فإن المدعو قد يمل، لذا لا بد من تقديم البرامج المتنوعة، فإنها تشد انتباه المستمعين، وتترك أثرًا عميقًا في قلوبهم ومن ثمّ على سلوكهم. وأن تكون على فترات متباعدة مخافة السآمة؛ كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ الله يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ, فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟! قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ, وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم  يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.

قال النووي: «وَفِي هَذَا الحَدِيث: الاقْتِصَاد فِي المَوْعِظَة؛ لِئَلَّا تَمَلّهَا القُلُوب فَيَفُوت مَقْصُودهَا».

n    ومنها: تقدير المصالح والمفاسد الشرعية، فيعمل للمصالح وتكثيرها، ويدرأ المفاسد ويقللها. وهذه قاعدة عظيمة من قواعد الشرع، وأصل عظيم من أصوله، فيتنبه إليه.

وقد ترك النبي  صلى الله عليه وسلم  بعض الأشياء مراعاة المصلحة العامة، فعلى سبيل المثال: هدم الكعبة وبناؤها من جديد، فعَنْ عَائِشَةَ ل زَوْجِ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم  أَنَّ رَسُولَ الله  صلى الله عليه وسلم  قَالَ لَهَا: «أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوا الكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ, فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ لَفَعَلتُ» الحديث.

يقول السندي: «(لَوْلَا حِدْثَان) أي: لَوْلَا قُرْبُ عَهْدهمْ بِالكُفْرِ, يُرِيد أَنَّ الإِسْلَام لَمْ يَتَمَكَّن فِي قُلُوبهمْ فَلَوْ هُدِمَتْ لَرُبَّمَا نَفَرُوا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ تَغْيِيره عَظِيمًا».

ومما يساعد على العمل بهذه الوسائل: صحبة العلماء الربانيين والدعاة الصادقين: بحيث يشدون أزره، ويقوونه على تجاوز العقبات، وإن اتخاذ الصحبة الطيبة من الوسائل المعينة على التحمس للدعوة، وتجاوز العقبات؛ لأن المرء ضعيف بنفسه، قوي بإخوانه الصالحين، والرجل الصالح لا ترى منه إلا خيرًا؛ ففي الحديث عَنْ أَبِي مُوسَى ا، عَن النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم  قَالَ: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ؛ فَحَامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً, وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً».

وهم القوم لا يشقى جليسهم، فعلى الداعية أن يختار صحبتهم؛ لكي يتقوى بهم في مسيرته الدعوية.