بحث عن بحث

p  من عناصر التجديد:

الكتاب والسنة هما المصدران الأساسيان للدين؛ من تمسك بهما فقد اهتدى إلى سواء السبيل، ومن تركهما فقد غوى وضل عن سواء السبيل، وإن الدين هو مجموع العلم بالكتاب والسنة والعمل بهما، والعلم يشمل النصوص والألفاظ، والعلم بمعاني تلك النصوص والألفاظ، كما أن العمل يستند على هذا العلم. ومن هنا يقسم بسطامي سعيد التجديد إلى ثلاثة عناصر.

  • التجديد بحفظ نصوص الدين الأصلية صحيحةً نقيةً.
  • التجديد بنقل المعاني الصحيحة للنصوص وإحياء الفهم السليم لها.
  • التجديد بإفشاء العلم والحث على العمل.

وفيما يلي إشارات موجزة على العناصر المذكورة:

1- المحافظة على نصوص الكتاب والسنة الأصلية: ومما لا شك فيه أن بقاء أيّ دين إنما هو ببقاء نصوصه الأصلية، وإذا لم يكن هناك اطمئنان إلى صحة هذه النصوص ونسبتها إلى مصادرها الأولى؛ فإن الدين ينهدم من أساسه، وأوضح مثال على قولنا ما حدث للأديان السابقة من اليهودية والنصرانية، فقد دخل في كتبها السماوية ما ليس منها، من أقوال أنبيائهم، وشروح تلاميذهم، وأقوال أتباعهم، وشروح أحبارهم ورهبانهم، مع ما حذف منها وبدّل –طبعًا- لهواهم ورغباتهم. فنسبة ما يسمى عندهم الآن بالكتب المقدسة إلى مصادرها مشكوك جدًا.

ولكن ديننا الإسلامي فقد تكفل الله تعالى بحفظ نصوصه؛ كما جاء في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]. فالقرآن لم يدخله تحريف قط، وأما الحديث وإن كان قد دخل فيه ما ليس منه، وزاد فيه الوضّاعون؛ ولكن الله هيّأ قومًا من المحدثين أبانوا هذا الوضع والزيغ فيه، وجعلوا الأحاديث بيضاءَ نقيةً موثوقةً إلى صاحبها -عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات- بالتصحيح والتضعيف لها بعد ما بذلوا جهودًا ضخمة ومضنية للتوثيق والتصحيح.

فالمحافظة على نصوص الدين الأصلية من الضياع ومن الاختلاط بغيرها, والجهود التي تبذل في سبيل توثيق النصوص، والعلوم التي نشأت لأجلها تعتبر أحد عناصر التجديد.

2- المحافظة على المعاني السليمة والصحيحة للنصوص المأثورة من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم من السلف الصالح؛ لأن الصحابة تلقّوا من رسول الله  صلى الله عليه وسلم  معاني القرآن كما تلقّوا ألفاظه، وكذلك الأحاديث، وبجانب هذا التلقي المباشر من الرسول  صلى الله عليه وسلم  فإن هناك مميزات أخرى انفرد بها الصحابة، مما جعل فهمهم للنصوص هو الفهم السليم، وهي:

  • أنهم شهدوا التنزيل وعرفوا أحواله.
  • أنهم أهل اللسان الذي نزل به القرآن.
  • أنهم عرفوا أحوال من نزل فيهم القرآن من العرب واليهود.
  • سلامة مقصدهم.
  • حسن فهمهم.

فالمحافظة على المعاني الصحيحة السليمة المأثورة من سلفنا الصالح، ونقلها إلى الآخرين، ونشرها بين الناس أحد عناصر التجديد.

3- التجديد بإفشاء العلم والحث على العمل: إن للعلم فضائل جمة وميزات خاصة، يكفي لفضله أن أول سورة نزلت في القرآن تحث على القراءة، قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]، إلى آخر الآيات، وقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11]، وقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر:9]، كما قال في سورة فاطر: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28].

وقال النبي  صلى الله عليه وسلم : «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلمًا سَلَكَ الله بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الجَنَّةِ, وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ العِلمِ, وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالحِيتَانُ فِي جَوْفِ المَاء, وَإِنَّ فَضْلَ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ, وَإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ؛ وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا العِلمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».

وقد حثّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أمته بقوله: «نَضَّرَ الله امْرًَا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ».

ووعد بالأجر العظيم لطالب العلم في قوله: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع».

ومن هنا اهتمّ السلف الصالح رحمهم الله تعالى بطلب العلم، والعناية به، والجد في طلبه وتحصيله، وتنافسوا في ذلك, فورثوا للأمة تراثًا ضخمًا لا تجاريهم أمة من الأمم. وكل واحد منا يعلم أن العلم غاية كبرى، وهدف أسمى يسعى إليه الموفقون المجدون في هذه الحياة.

ولكن هذا العلم لا ينفع صاحبه إلا بالعمل به, والعمل بالكتاب والسنة هو الغاية من معرفة النصوص وفهمها، ومن أخطر الانحرافات التي تصيب أهل الدين: الانفصال بين العلم والعمل؛ أيًا كان نوع هذا الانفصال ودرجته. والعمل بالعلم هو زكاة العلم, وهو ثمرتُه، ولا ينفع بدونه، وقد ذمّ الله تعالى الذين يقولون ما لا يفعلون، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴿2كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } [الصف:2-3], وقال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة:44], وجاء الحث على العمل الصالح في قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ﴿1إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴿2 إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1-3].

ومن مجالات التجديد طلب العلم، ونقل علوم السلف من جيل إلى جيل نقيةً من التحريف، وسليمةً من الانتحال، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن التجديد هو إحياء العلم فقط.

يقول ابن كثير: «وقال طائفة من العلماء: الصحيح أن الحديث- يعني حديث التجديد- يشمل كل فرد من آحاد العلماء من هذه الأعصار ممن يقوم بفرض الكفاية في أداء العلم، عمن أدرك من السلف إلى من يدركه من الخلف».

هذا ما ذكره الشيخ بسطامي سعيد، ولعلي هنا أضيف أو أفرِّع على ما ذكر أن من التجديد:

1- عرض العلم الشرعي بأسلوب مناسب للعصر، فقد يتعذر أسلوب عصر سابق، فينبري بعض العلماء لتفسير القرآن الكريم، أو شرح بعض الأحاديث النبوية، أو تفصيل مسائل تطلبها العصر، وبيان بعض الأحكام على نوازل جديدة، أو إحياء الدعوة إلى الله بأسلوب معين، كل هذه وأمثالها أحسب أنها من التجديد.

2- إحياء سنّة واجبة أو مستحبة اندثرت أو كادت، وقد تفيد الأمة بأكملها.

3- إقامة الدين وقت غربته، والتمسك به، والدعوة إليه، مما يكون سببًا للاقتداء والتأسي.