الإطار الأول: مسئوليتها عن نفسها.

     تكمن مسئوليتها عن نفسها بما يلي:

أولاً: في إيمانها بربها عز وجل وهو أعظم المسئوليات وأوجب الواجبات وأهم المهمات، ففي الآيات السابقة اشترط الله سبحانه وتعالى حسن الجزاء بالإيمان به سبحانه، قال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) [النساء:124] وغيرها من الآيات المشابهة لها.

     هذا الإيمان المتمثل بأركان الإيمان الستة:

     أ - الإيمان بالله بمعنى الإيمان بتوحيد الله تعالى بأقسامه الثلاثة:

-         توحيده في أفعاله سبحانه؛ فتؤمن المسلمة بأن الله هو المالك المتصرف الخالق الرازق، قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة:2-4] وغيرها من الآيات كثير. وهذا هو توحيد الربوبية.

-         وتوحيده في أفعال العباد، فتؤمن المسلمة بأن الله سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة وحده دون سواه، وأن تصرف جميع أنواع العبادة له سبحانه فتصلي لله، وتزكي لله، ولا تدعو إلا الله، ولا تستغيث إلا بالله، وتطيع والديها من أجل الله، وتتحجب طاعة لله، وتطيع زوجها طمعًا فيما عند الله .. وهكذا، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]. وهذا هو توحيد الألوهية أو توحيد العبادة.

-         وتوحيده في أسمائه وصفاته؛ فتثبت لله سبحانه وتعالى الأسماء الحسنى والصفات العلى من غير تأويل لها ولا بحث في كيفيتها ولا تشبيه لها بصفات المخلوقين ولا تعطيل لها عن معانيها، قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:11].

     وتعبد الله تعالى من خلال هذه الأسماء الحسنى والصفات العلى، فتثبت أن الله الرحمن الرحيم فتطلب الرحمة منه، وأنه هو الرزاق ذو القوة المتين فتطلب الرزق منه، وأنه الشافي الكافي فتطلب شفاء مرضها منه، وأن الله  غفور غفار فتطلب المغفرة منه، وأنه عفو كريم فتطلب العفو منه.. وهكذا.

     ب - الإيمان بالملائكة؛ فتؤمن المسلمة بأن لله ملائكة يعبدون الله ليلاً ونهارًا لا يفترون، وأن عليهم مهمات يقومون بها، ومنهم من فصل لنا اسمه ومهمته كجبريل الموكّل بالوحي، وإسرافيل الموكّل بنفخ الصور، وهناك ملك للجبال، وللريح، ولمحاسبة العباد وكتابة أعمالهم، فكل شخص وكّل به ملكان يكتبان كل ما يصدر عنه من قول أو فعل؛ (إِذْ يَتَلَقَّى الْمتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: 17،18].

     ج - الإيمان بكتب الله تعالى المنزلة على رسله، ومنها ما هو مجمل، وما فصّل لنا منها أربعة: التوراة التي أنزلت على موسى، والإنجيل الذي أنزل على عيسى، والزبور الذي أوتيه داود، والقرآن الذي أنزل على محمد  صلى الله عليه وسلم .

     وأن القرآن الكريم هو آخرها وخاتمها وناسخها، ولا تجوز عبادة الله تعالى إلا بما جاء فيه.

     د - الإيمان بالرسل الذين أرسلهم الله تعالى للناس يبشرونهم وينذرونهم،ويبلغونهم بوجوب عبادة ربهم.

     ومن هؤلاء الرسل من سمّي لنا، ومنهم من لم يسمّ، فتؤمن المسلمة بمن ذكر تفصيلاً بأسمائهم، ومن لم يذكر تؤمن به إجمالاً.

     وأولهم نوح عليه السلام، وآخرهم محمد  صلى الله عليه وسلم  الذي هو خاتمهم وآخرهم، لا نبي بعده، وأرسل إلى الناس كافة جنهم وإنسهم، ولا تجوز عبادة الله تعالى إلا بما شرع  صلى الله عليه وسلم .

     هـ - والإيمان باليوم الآخر ابتداء بمقدمات نهاية الإنسان من هذه الحياة وبموته وانتقاله إلى حياة أخرى، وبفتنة القبر ونعيمه وعذابه، وبأشراط الساعة الصغرى والكبرى، ثم البعث والنشور، والحشر، والجزاء والحساب والعرض، والصراط، وختامًا بالجنة أو النار.

     هذه عقيدة المسلمة التي يجب أن تربي نفسها عليه وتبقى مسئولة عنها.

     ثم ما يتبع ذلك الإيمانَ من مقتضيات ومستلزمات مثل محبة الله تعالى والإخلاص له، ورجائه والخوف منه، وتعلم ذلك والصبر عليه، وتحذر من مخالفات هذه العقيدة، ومناقضات الإيمان وعلى رأسها الشرك بالله تعالى، والكفر، والنفاق، والاستهزاء بالله تعالى أو برسوله  صلى الله عليه وسلم ، وبدينه وبما شرع، أو صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى، أو اعتقاد أن حكم غير الله مساوٍ أو أفضل من حكم الله تعالى، وأن البشرية تسعد كما تسعد في حكم الله تعالى، أو أن الزمان عفى على أحكام الله تعالى، وبقيت موروثات مقدسة ولا عمل لها في هذه الحياة، أو عمل السحرة والكهانة وتتبع السحرة والمشعوذين والدجالين، وغير ذلك من مناقضات الإيمان.

     فعلى المؤمنة أن تحذر من الوقوع في هذا الشراك الخطير فهي مكلفة بالإيمان، وبالحذر مما يناقض الإيمان.

***   ***   ***

ثانيًا: ومن مسئولياتها عن نفسها العلم، وأقصد به: العلم الشرعي الذي يقوم به دينها، لأن هذا الدين لا يقوم إلا بالعلم، العلم بالله تعالى، والعلم برسوله صلى الله عليه وسلم ، والعلم بدينه وبما شرع.

     وهذا العلم ينقسم إلى قسمين:-

     أ - فرض عين على كل مسلم ومسلمة، وهو ما كان معلومًا من الدين بالضرورة، أو بعبارة أخرى ما لا يقوم الدين إلا به مثل أحكام الإيمان بالله إجمالاً، وأحكام الطهارة، وأحكام الصلاة، فتتعلم المرأة المسلمة كيف تتطهر؟ وكيف تصلي؟  وكيف تصوم؟ وكيف تؤدي حقوق زوجها؟ وكيف تربي أولادها؟ وكل ما هو واجب عليها.

      ب - ومنه ما هو فرض كفاية إذا قامت به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وهذا يحسن بالمسلمة أن تبادر إليه وأن تنهل منه فهو الذي جاءت النصوص القرآنية والنبوية بالإشارة به وبيان فضله وعظم شأنه وشأن أهله، وعلو مكانتهم، وتفضيلهم على غيرهم؛ لأنهم ورثة محمد  صلى الله عليه وسلم .

     قال ابن عبد البر الأندلسي رحمه الله -: (أجمع العلماء على أن من العلم ما هو فرض متعين على كل امرئ في خاصة نفسه، ومنه ما هو فرض على الكفاية .. إلى أن قال: والذي يلزم الجميع فرض من ذلك ما لا يسع الإنسان جهله من جملة الفرائض المفترضة عليه).

    إن من تكريم الإسلام للمرأة المسلمة أن جعل فضيلة التعلم والتعليم للمرأة كما هي للرجل، ولم يخص بها الرجل دون المرأة. وجميع الآيات والأحاديث الدالة على فضل العلم والتعلم للرجل والمرأة على السواء، مثل قوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة:11].

     وقوله: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) [الزمر:9].

     وقوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه:114].

     وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)). وغيرها من النصوص، وكلها شاملة للرجل والمرأة على السواء، وهكذا تمثلت نساء الجيل الأول، فهذه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تضرب أروع الأمثلة لطالبات العلم والمتسابقات فيه حتى إنها كانت من أكثر الصحابة رضي الله عنهم رواية للحديث، ومرجعًا لهم في كثير من المسائل، واستدركت على بعض الصحابة في بعض الأحكام.

     وغيرها من النساء كثير.

    وقد ناقش الأستاذ الدكتور عبدالرحمن الزنيدي أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الإمام بالرياض مسؤولية المرأة العلمية والثقافية، وذلك في كتيب بعنوان (مسؤولية المرأة الثقافية في عام 1422هـ ، دار الفضيلة)، حيث ذكر أولاً صور التحدي الذي تواجهه المسلمة في هذا العصر، وضمنه صور:

     الصورة الأولى: عدم وضوح التصور الإسلامي، وبعبارة أخرى: ما يعتري عقيدتها الإسلامية من تشويش، فينحرف تصورها العقدي عن الألوهية أو الحياة أو الكون فتعبد الله بعقيدة مهللة.

     الصورة الثانية: موقع المرأة الاجتماعي في علاقتها بالرجل، وبيان ذلك في موقف بعض الرجال الموقف السلبي تجاه أسرته، وهي العلاقة التي تعتبرها المرأة المسلمة تحديًا لها حيث لا تتوازن علاقة المرأة والرجل مع الأسرة، فبينما تكون علاقة المرأة مع الأسرة قوية فإن الرجل يخل بها ولايعيها تمام الوعي.

     الصورة الثالثة: البلبلة الفكرية التي يموج بها هذا العصر حيث الثقافات الوافدة التي ضغطت على المرأة المسلمة وأوقعتها في تناقض غريب مقيت حتى أصبح الفن والرقص وغيرها من أولويات ما تهتم به امرأة اليوم، وهذا تحدي صارخ وكبير.

     الصورة الرابعة: الإعلام، ولا شك أنه تحدي كبير أيضًا بما يحمل في طياته من غث وسمين، وبما يبث من ثقافة محاربة للدين مغيّرة لشخصية المسلمة، ثقافة تربي الأطفال على مسخ شخصياتهم والانحراف بفطرهم عن الحق، والمسلمة تعيش في وسط هذا الجو الملوث بما يعكر عليها صفو مسيرتها في هذه الحياة.

     وأزيد هنا صورة خامسة وهي: الفساد الأخلاقي المركز الذي يسير بعمق في بعض مجتمعات المسلمين، ويهجم على المرأة المسلمة هجومًا شرسًا، ويصوّر لها بعكس حقيقته مثل ما يرد في ردهات الفن من أمور غير أخلاقية، وما تصور فيه بعض تعاليم الدين بالرجعية والتأخر، فانتشر من خلال ذلك فساد عريض تقليدًا لأمة الغرب فيه، فالزواج قيد، والانحلال تمتع، وهكذا.

     صورة سادسة: عولمة المرأة إن صح التعبير وهو ما يدعو إليه الغرب الكافر بأن تكون المرأة المثلى هي المرأة الغربية المساوية للرجل في الحقوق، والعاملة مثله في المصانع، وعارضة الأزياء وغير ذلك.

     وهذا التحدي بدأ يظهر في مؤتمراتهم التي يدعون إليها وترعاه الأمم المتحدة وتنادي بمبادئه مثل اعتبارهم المرأة العاملة هي المرأة المعتبرة، وربة البيت ينظر إليها باعتبارها متخلفة ويدخل في ذلك تغيير بعض المصطلحات مثل استخدامهم كلمة: (المساواة) للتعبير عن إزالة الفوارق بين الرجل والمرأة، وكلمة: (التنمية) للتعبير عن الحرية الجنسية والانحلال الأخلاقي.

      لكن رغم هذه التحديات إلا أن بوارق الأمل من اللاتي فهمن دينهن ووعين لمخططات أعدائهن لا زالت تبرق بوضوح فتبهج النفس وتملؤها ثقة واطمئنانًا.

     ثانيًا: ركائز البناء الثقافي للمسلمة:

     1-تأصيل التصور الإسلامي الصحيح بصفته الركيزة الأساس التي يقوم عليها البناء العلمي والثقافي.

     هذا التصور يشمل:

-         ما يتعلق بالإيمان مما سبق ذكره.

-         وبالقرآن الكريم والسنة المطهرة من حيث مقامهما في حياة المسلمة.

-         وبركائز الإسلام وخصائصه.

-         وما يتعلق بالكون المحيط بالإنسان.

-         وبالحياة في مراحلها وطبيعتها.

-         وبالإنسان نفسه.

     ولكي يكون هذا التصور صحيحًا لا بد وأن تستمده المسلمة من مصدري الإسلام الأساسيين: القرآن الكريم والسنة المطهرة، وما فهمه السلف منهما.

     2- استكمال الثقافة الشرعية القائمة في علوم الإسلام التفسير، والحديث والفقه، والسيرة وغيرها بما يقيم في شخصية المسلمة بناءً ثقافيًّا متماسكًا.

      وما المقدار من هذه المقررات؟ ليس هناك قدر محدود لأنه راجع إلى طبيعة كل امرأة لكن لا بد أن تعي ما يلي:

أ - أن تتعرف على مقدمات العلوم التي تعتبر أصولاً لها مثل مقدمة في أصول التفسير وكذا علوم الحديث ..

     ب - أن تتناول ما تختص به بصفتها امرأة..

     ج - الاستزادة المستمرة من العلم الشرعي والثقافة الإسلامية.

     3- القراءة فيما كتبه أهل العلم المعاصرون لإدراكهم واقعهم الذي يعيشون فيه، ولا تكتفي المسلمة بالرجوع إلى المراجع الأصلية فحسب فهذا يعزلها عن واقعها، ويقلل من تأثيرها.

     4- الركيزة الرابعة دعم ثقافتها بالعلوم المساعدة الأخرى كاللغة والتأريخ والأدب، فهي تثري المعلومة وتنمق الأسلوب وتزيد من رصيد الفكر.

     5- ومن الركائز التنبه إلى ما يعترض المسلمة في بنائها العلمي والثقافي من عقبات قد تخل بهذا البناء أو تفتح فيه ثغرات، ومما يساعدها على تخطي تلك العقبات:

أ - دراستها للنظام الإسلامي عقيدة وشريعة وأخلاقًا وأسرة وغيرها على أنه بناء متكامل يكمل بعضه بعضًا.

     ب - التوازن في البناء الثقافي لتبقى معتدلة في نظرتها؛ فلا تقتصر على مقررات معينة أو تفتح ذهنها لكل ما هب ودب من ثقافة الشرق أو الغرب فتقع في الضلال.

أضف تعليق

كود امني
تحديث



بحث عن بحث