بحث عن بحث

درجات إنكار المنكر

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه  قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».

©  المباحث اللغوية:

من رأى منكم: أي: من علم من المسلمين.

منكرًا: المنكر ضد المعروف وهو كل ما قبحه الشرع ونهى عنه، والمعروف كل ما حسنه الشرع وأمر به.

فليغيره: يزيله ويذهبه وينكره.

بيده: إذا توقف التغيير على اليد ولم يؤد إلى منكر أكبر.

فبلسانه: أي بقوله سواء بالخطاب المباشر أو بالكتابة أو غيرها.

فبقلبه: أي يكرهه ولا يقره ويبغضه.

أضعف الإيمان: أقله.

©  سبب الحديث:

عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد مروان فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: تترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «من رأى...» الحديث.

©  توجيهات الحديث:

1-    جاء الإسلام بما فيه سعادة البشرية وفلاحها أفرادًا وجماعات. وحث على كل ما يؤدي إلى هذه السعادة وشجع على ذلك، وحذر من كل ما يخل بها أو يجرحها، فشرع مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

2-    في الحديث بيان لحكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكر أهل العلم أنه فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، فقد قال صلى الله عليه وسلم : «من رأى منكم منكرًا فليغيره». وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: 104].

3-    قد يكون الأمر بالمعروف فرض عين على شخص بعينه لسبب معين كأن لا يعرف هذا المنكر إلا هو، أو بيده سلطة حاكمة، أو هو رب المنزل الذي وجد فيه هذا المنكر ونحو ذلك.

4-    للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضل عظيم للآمر نفسه وللمجتمع بأسره، فقد قال صلى الله عليه وسلم  في الحديث الصحيح: «من دعا إلى هدى كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجورهم شيء».

والأمة الآمرة بالمعروف لا تصيبها المهالك قال سبحانه وتعالى: ﴿ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ [الأعراف: 165].

والأمة الآمرة هي خير الأمم: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: 110].

والأمر بالمعروف علامة فارقة بين الإيمان والنفاق.

5-    بيّن الحديث أن النهي عن المنكر درجات ومراتب:

أ – المرتبة الأولى: التغيير باليد، وذلك إذا كان ممن يحق لهم شرعًا التغيير باليد مثل الحاكم، ومن فوضه الحاكم، ورب المنزل، أو كان لديه القدرة على التغيير باليد ولم يترتب على تغييره منكر أعظم، ونحو ذلك.

ب – المرتبة الثانية: التغيير باللسان، ويتضمن النصيحة المباشرة، والمخاطبة بالهاتف، والكتابة بالقلم مباشرة أو عبر صحيفة أو مجلة أو رسالة، أو إهداء كتاب، ونحو ذلك.

ج- المرتبة الثالثة: وهي التغيير بالقلب، وذلك لمن لم يستطع أن يغير بلسانه، فلا أقل من أن يغير بقلبه وذلك بكره هذا المنكر، وعدم الجلوس في المكان الذي فيه منكر إذا استطاع القيام منه، وظهور علامات الإنكار على وجهه وهكذا.

6-    ينبغي للمُنكرِ أن يتخلق بأخلاق الدعاة الصادقين من إخلاص العمل لله وحده، واستعمال اللين والرأفة والرحمة، وعدم التغليظ إلا في مواضعه المشروعة، والصبر على هذا المبدأ العظيم، وألا يأمر أو ينهى إلا عن علم شرعي، قال تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]. وقال: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه: 44].

7-    مما يجب مراعاته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراعاة المصالح والمفاسد، فلا تنهى عن شيء، ومفسدة النهي أعظم. ومن قواعد الشريعة المفيدة أن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، فهذه قاعدة عظيمة جليلة يجب فقهها وتأملها حال الأمر والنهي.

8-    يجب على المسلم أن يكره بقلبه وهذا أول درجات الإنكار، فبغضه المعصية وكرهها هو الدليل على إيمان العبد.

9-    قد يتسلل الشيطان إلى نفوس بعض الناس فيوسوس لهم أن ليس لهم علاقة بأمر الناس ونهيهم ويتعلل بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة: 105]. وهذه الآية قال عنها أبو بكر الصديق رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب».