بحث عن بحث

حقيقة الزهد

عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس».

©  المباحث اللغوية:

الزهد: الإعراض عن الشيء، والزهد: القلة.

في الدنيا: يعني استصغر شأنها واحتقرها.

©  توجيهات الحديث:

1-    هذا حديث عظيم، جليل القدر يبيّن للمسلم الطريق الموصول إلى محبة الله تعالى له، وكذا إلى محبة الناس له. وهما من الغايات التي يجب أن يسعى لها المسلم في هذه الحياة.

2-    من الطرق الموصلة إلى محبة الله تعالى ورضاه: الزهد في الدنيا، والمراد بذلك أن تنظر إلى الدنيا بأنها ميدان لمزرعة الآخرة لا أنها غاية في ذاتها فيُسعى لها. ولذلك تنوعت عبارات السلف رحمهم الله تعالى في بيان هذا الزهد، ومنها:

  • قال أبو إدريس الخولاني: ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، وإنما الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك، وإذا أصبت بمصيبة كنت أشد رجاء لأجرها وذخرها من إياها لو بقيت لك.
  • ويقول الحسن البصري: الزاهد إذا رأى أحد قال: هو أفضل مني.
  • ويقول سفيان بن عيينة: الزاهد في الدنيا إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتلي صبر.

ويجمع هذه الأقوال وغيرها: الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في موقفه من الدنيا قال تعالى:﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد: 20].

3-    قد ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة ذم الدنيا، وهنا يقول ابن رجب :: «واعلم أن الذم الوارد في الكتاب والسنة للدنيا ليس هو راجعًا إلى زمانها الذي هو الليل والنهار المتعاقبان إلى يوم القيامة، فإن الله تعالى جعلهما خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا، وليس الذم راجعًا إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم مهادًا وسكنًا، ولا إلى ما أودع الله فيها من الجبال والبحار والأنهار والمعادن، ولا إلى ما أنبته فيها من الزرع والشجر، ولا إلى ما بث فيها من الحيوانات وغير ذلك، فإن ذلك كله من نعمة الله على عباده بما لهم فيه من المنافع، ولهم به من الاعتبار والاستدلال على وحدانية صانعه وقدرته وعظمته، وإنما الذم راجع إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدنيا، لأن غالبها واقع على غير الوجه الذي تحمد عاقبته، بل يقع على ما تضر عاقبته أو لا تنفع».

4-    من أهم علامات الزاهد:

أ- العمل بما فرضه الله تعالى وأحله.

ب- بترك ما حرم الله تعالى.

ج- ترك ما يشغل عن الله تعالى والدار الآخرة.

د- السعي لزيادة رصيد الحسنات في الآخرة.

5-    ليس من الزهد ترك ما أنعم الله تعالى به على الإنسان في هذه الدنيا مما أحله وأباحه، كاللباس، والطعام وغيرها، ومن ثمّ لبس الخشن من الثياب والبالي منه، وأكل السيئ من الطعام وغير ذلك، فهذا مفهوم خاطئ للزهد.

6-    محبة الناس مطلب جيد، فهي دليل على قبول المسلم عند الله سبحانه وتعالى، فمن رضي الله عنه أرضى عنه الناس، ومن أسخط الله أسخط الناس عليه. ومما يفيد في ذلك أن الإنسان لا يطلب ما في أيديهم، فإذا كان الإنسان عزيزًا أحبه الناس وقبلوه.