التدرج سنة لم تنسخ:

فإن قيل: إن التدرج كان قبل نزول الأحكام، وفرض العبادات، وقد تمت الأحكام، وفرضت العبادات، فلا تدرج بعد اليوم.

والجواب من وجوه:

أولًا: إن التدرج منهج مرحلي، وطريقة دعوية، لا تنسخ كأحكام الحلال والحرام المعرضة للنسخ.

ثانيًا: إنه لا دليل على نسخ التدرج لمن يحتاجه، وتمام الشريعة لا يتعارض مع بقاء سنة التدرج في بعض الأحوال، ومع بعض الأعيان، بل لو قيل: إن من تمام الشريعة وكمالها وجمالها بقاء سنة التدرج لكان صحيحًا، وذلك ليتناسب هذا الدين وأحوال الناس كافة، ولو سلم بأن التدرج منسوخ، فكيف ستتعامل هذه الشعوب المسلمة التي خرجت مما وقع فيها من الفتن – كالشعوب التي كانت تخضع للحكم الشيوعي مثلًا – وهي لا تعلم عن دينها شيئاَ،فلا تلقي عليهم الإسلام جملة واحدة وإنما التدرج ليتم قبول الإسلام.

ثالثًا: إن التدرج كان لعلة، فإذا زالت زال، وإذا وجدت وجد.

وعلته: وجود مجتمعات غير مسلمة تدعى إلى الإسلام، أو وجود مسلمين حديثي عهد بجاهلية، أو وجود تراكمات من المعاصي.

ووجود هذه الأصناف –وهي على التدرج- ما زالت قائمة، وستبقى إلى يوم القيامة، وببقائها تبقى سنة التدرج، لذلك يشرع في حق هؤلاء التدرج، ولو بعد ثبوت الأحكام الشرعية.

رابعًا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تدرج في بعض الحالات مع بعض الأقوام والأفراد بعد نزول الأحكام، ومن أروع ما يستدل به على ذلك حد:

حديث وفد ثقيف فعن وهب قال: (سَأَلْت جَابِرًا عَنْ شَأْنِ ثَقِيفٍ إذْ بَايَعَتْ، قَالَ اشْتَرَطَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ، وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: «سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إذا أسلموا»).

ففي هذا الحديث دليل واضح على بقاء حكم التدرج، لمن دخل في الإسلام، وبعد ثبوت الأحكام في الدين، فإن المسألة لا تتعلق بأصل دين الإسلام، وإنما تتعلق بدين الرجل نفسه، وحاله وقوة إيمانه، ومدى استجابته.

خامسًا: أن اختلاف المجتمعات في أحوالها وأحكامها ومواقفها يقتضي بقاء منهجية التدرج لتتناسب وهذه المجتمعات كل حسب حاله، فالمجتمع الذي يشبه الوضع المكي، كأن يوجد مسلمون ضعفاء مضطهدون بين أظهر الكافرين، لا يسمح لهم بالدعوة، ولا يستطيعون إقامة شعائرهم، ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. فضلًا عن الجهاد، وإقامة الحدود، فإن قومًا من المسلمين كذلك، فيشرع لهم الاقتداء بأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة، من أداء ما يستطيعونه من العبادات، والانتهاء عما يستطيعونه من المحرمات، ويجب عليهم الرد الكريم، والصفح الجميل، والعفو عن المؤذين، وكف الأيدي، ويحرم عليهم الرد بالعنف والقتال.

قال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: 85]، وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ [النساء: 77].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف وفي وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله، من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين»، وبآية: âقَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ á [التوبة: 29].

أضف تعليق

كود امني
تحديث



بحث عن بحث