بحث عن بحث

الوقفة الأولى:

شرح مفردات الباب:

(ما قدروا): ما عظموا، والضمير عائد للكفار أي أنهم لم يعظموا حق الله سبحانه وتعالى.

(حبر): بفتح الحاء وسكون الباء، هو العالم كثير العلم.

(النواجذ): هي أقصى الأسنان، التي تظهر عند الضحك.

(كخردلة): الخردل من أنواع الشجر، وله حب صغير جداً.

(الكرسي): قال ابن عباس: هو موضع القدمين لله عز وجل بما يليق به سبحانه.

(العرش): هو المخلوق الذي استوى عليه الله سبحانه وتعالى استواء يليق به سبحانه وتعالى.

(تُرس): ما يحمله المقاتل من قطعة حديد ونحوه لاتقاء ضرب السيوف والرماح.

(فلاة): الفلاة هي الصحراء الواسعة.

الوقفة الثانية:

في هذا الباب ذكر المصنف - رحمه الله – أدلة كثيرة على عدم تعظيم الكفار لحق الله تبارك وتعالى وهو العظيم سبحانه، والقادر على كل شيء، والملك والمتصرف في الأمور، أمره بين الكاف والنون، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فما قدروه حق قدره، وذلك أنهم أشركوا معه غيره، وعبدوا سواه، ولم يخلصوا العبادة له سبحانه، وكفروا بنعمة الله وجحدوها.

ولهذا ذكر المصنف الآية الأولى التي تبين هذا المعنى، فذكر سبحانه أن المشركين ما عبدوه حق عبادته والله سبحانه القادر الفعال لما يريد، ويوم القيامة يطوي السماء كما قال سبحانه في الآية الأخرى أيضاً: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ .

ويقبض الأرض كما جاء في الحديث الصحيح أيضاً : (يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض) .

ومذهب أهل السنة والجماعة في مثل هذه النصوص إثباتها على ما جاء في صحيح السنة من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وأن لها معاني حقيقة، وكل ذلك على حد قوله سبحانه : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ .

الوقفة الثالثة:

الأحاديث التي أوردها المصنف تدل دلالة واضحة على عظمة الباري سبحانه وتعالى وقدرته، وعظم مخلوقاته وعجائبها وأنه المتصرف بها كيف يشاء، وكذلك فيه ضعف عقول من ترك عبادته أو أشرك معه فكيف بهذا الخالق القادر سبحانه تُترك عبادته أو يتوجه إلى قبر أو ضريح ويدعى من دون الله، مع علم هؤلاء الناس أن المعبودين خلقٌ مثلهم، محتاجون لخالقهم تبارك وتعالى.

إن من تفكر بهذه الأحاديث وتعقل معانيها علم أنه لهذا الكون خالقاً ومدبراً لـه، ومصرفاً لشؤونه، وأنه وحده المستحق للعبادة، فهذه السموات السبع إذا قارناها بالكرسي كانت السموات مثل الدرهم الذي يلقى في ترس، فتكون النسبة بينهما كبيرة.

وهذا الكرسي الذي يضع الرب سبحانه وتقدس قدميه عليه على كبره إذا قارناه بالعرش كان هذا الكرسي مثل الحلقة من حديد إذا ألقيت في صحراء كبيرة واسعة الأطراف.

وما بين السموات وبين الكرسي أمر لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى.

فوجب على العبد أن يلجأ إلى الله سبحانه ويعبده حق عبادته ويقدره حق قدره.

الوقفة الرابعة:

في أحاديث الباب إثبات عدد من الصفات لله عز وجل ومنها اليد:

كما قال أيضاً سبحانه وتعالى في الآية الأخرى عن اليهود: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ .

فأثبت له تبارك وتعالى لنفسه اليدين.

وقد جاءت بعض الألفاظ بوصف اليد باليمين والشمال كما في حديث ابن عمر الذي أورده المصنف، وكذا ما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: (المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين) .

وقد يستشكل بعض الناس هذا الحديث مع سابقه، وجواباً على ذلك نقول:

إن البعض قد يتوهم من إطلاق الشمال على يد الله تبارك وتعالى أن فيه شيئاً من النقص أو الضعف كما يكون لبني آدم، فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم  لئلا يتوهم أحد من الناس هذا الضعف.

ومما جاء إثباته من الصفات لله عز وجل في هذه الأحاديث الأصابع، وهي أصابع لا يشبهها شيء من أصابع المخلوقين، وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: (إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن) .

وإثبات الصفات لله عز وجل أمر واجب على المسلم كما جاءت بها النصوص الشرعية من غير تعطيل لها، ولا تأويل لمعناها، ولا تكييف لصفتها، ولا تشبه بأحد من المخلوقين كما قال تبارك وتعالى: ]لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[ .

ومما جاء إثباته أيضاً في هذه الأحاديث علو الله سبحانه وتعالى واستواؤه على العرش ، وقد جاءت آيات عديدة بهذا المعنى منها ما جاء في قوله تبارك وتعالى: ]إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ[  وقوله: ]اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ[   وقوله: ] تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ[ .

ومن تأمل ما سبق من النصوص الشرعية وما فيها من إثبات لصفات لله عز وجل تبين له وضوح دلالتها.

فكيف يأتي بعض الناس ويحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون: إن المعنى لهذا النصوص غير مراد متأولين ومحرفين لهذه الشواهد العظيمة.

في حين أن السلف رضوان الله عليهم لم يقل أحدهم بأن معنى هذه الصفات غير مراد، أو أنه يلزم من ذلك التشبيه بل إن السلف أنكروا على من قال بأن معنى الصفات غير مراد وألف العلماء في ذلك الردود العديدة  .

***   ***   ***

وبهذا انتهى التعليق على كتاب التوحيد، ونسأل الله سبانه وتعالى أن يجعلنا من الموحدين ، المخلصين، وأن يحيينا على ذلك ويميتنا على ذلك، ويبعثنا على ذلك، كما أسأله جل وعلا أن يثيب على ما ورد فيه من الشرح والبيان والتعليق، وأن يعفو عما زل به اللسان والقلم، وأن يجزي خيراً كل من أعان على إخراجه إنه سميع قريب مجيب، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .