بحث عن بحث

الوقفة الأولى:

شرح مفردات الباب:

(الدهر) : هو الزمان والوقت .

(يؤذيني): أي يلحق الأذى بي، ولا تعني وقوع الضرر على الله تبارك وتعالى .

(يسب): السب هو : الشتم والذم والتقبيح .

(أنا الدهر): أي مدبر ومصرف الدهر .

الوقفة الثانية:

سب الدهر والزمان يأتي على ثلاثة أقسام :

القسم الأول: أن يكون السب لهذا الدهر اعتقاداً بأنه الفاعل للفعل، وأن الزمن هو الذي فعل هذا الشيء، فمثلاً يخسر في صفقة تجارية فيسب الوقت الذي خسر فيه معتقداً أن الزمن هو الفاعل لهذه الخسارة ، فاعتقاد أن الزمن هو المؤثر والمقلب للأمور شرك أكبر مخرج من ملة الإسلام ؛ لأن الله هو الفاعل والمقدر والخالق لهذه الأمور ، ومن اعتقد أن مع الله خالقاً فقد كفر .

القسم الثاني: أن يسب الدهر، ولكن يعتقد أن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى ، لكنه سب هذا الزمن لأنه وقع لـه هذا المكروه في هذا الزمن، فهذا لا يصل إلى درجة الشرك وإنما هو محرم .

القسم الثالث: أن يصف الدهر بأوصاف غير محبوبة ولا طيبة وقصده بذلك الخبر المجرد دون الاستنقاص؛ كقول القائل: هذا يوم شديد الحر، هذا يوم متعب ، ومنه قول لوط عليه الصلاة والسلام: ]هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ[  . فوصف ما وقع من الشدة في هذا اليوم بهذا الوصف، أمر جائز لا يصل إلى التحريم ، ولكن الأفضل للمسلم ترك ذلك وأن يعلم أن جميع الأمور في تقدير الله عز وجل.

الوقفة الثالثة:

أورد المصنف - رحمه الله - قول الحق تبارك وتعالى : ]وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ[ والقائل هم المشركون، وذلك حينما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم باتباعه وبشرهم وأنذرهم، لم يستجيبوا لـه عليه الصلاة والسلام ، وقالوا هذا القول ، والذي يعني - باعتقادهم - أن من طال عمره فمات فقد مات من الدهر، ومن مات قبل أن يطول عمره فقد أهلكته الهموم والأمراض، ولا ريب أن هذا الاعتقاد خاطئ ، وشرك أكبر بالله عز وجل كما مر معنا في النوع الأول؛ لأنهم يعتقدون أن الزمن هو الفاعل والخالق، سواء كان بطوله و ما وقع فيه من المشكلات والمصائب وغيرها .

الوقفة الرابعة :

أورد المصنف حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وهو حديث قدسي ، والمراد بالحديث القدسي ما كان معناه من الله عز وجل ، ولفظه من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتعبد بتلاوته .

وقد جاء في هذا الحديث قولـه تعالى : (يؤذيني ابن آدم) أي يُلحق الأذى بي، فالأذية ثابتة لله سبحانه وتعالى، فنحن نثبتها كما أثبتها لنفسه، لكن ما نوعها ؟ هل هي كأذية المخلوق؟ لا شك أنها ليست كأذية المخلوق ، بدليل قول الله تعالى: ]لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[  ، فنحن نثبتها ونعلم معناها لكن لا ندري عن كيفية الأذى .

ولكن الذي ينبغي التنبيه لـه في هذا المقام أن الأذية لله لا تستلزم الضرر على الله تعالى وتقدس ، ولقد جاءت عدة نصوص تثبت هذه الأذية، ومن ذلك قولـه تعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [  ولهذا ولله المثل الأعلى تجد الإنسان قد يتأذى من الصوت القبيح أو الرائحة الكريهة ولكن لا يضره، ولهذا قال تعالى في من حسد من المؤمنين: ]لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذىً[  والإنسان يتأذى من أشياء كثيرة لا تصل به إلى درجة الضرر .

وقوله في الحديث : (وأنا الدهر) أي أنا مدبر الدهر ومصرفه، ولهذا فسره بما بعده فقال: (أقلب الليل والنهار) فلذلك أُول بهذا التأويل أنا مدبر الدهر ومصرفه، وتقليب الليل والنهار من الطول إلى القصر ، والحوادث والمقادير كلها تقع في الزمن والدهر، والله سبحانه هو الذي يغيرها .

وأما الرواية الثانية وهي قولـه: (فإن الله هو الدهر) فهي بالمعنى نفسه، فإن الله هو مدبر الدهر ومصرفه، وهذا نهي عن سب الدهر .

الوقفة الخامسة :

الذي ينبغي على المسلم ألا يعود نفسه على الألفاظ التي يريد منها الإخبار ولا يقصد بها سب الدهر؛ كقوله: هذا يوم تعبت فيه ونحوه، ومن باب الأولى إن كان قصد السب؛ لأن من المعلوم أن الذي يوقع هذه الأشياء هو الله سبحانه وتعالى، ولذلك لا يخلو إما أن يقع على الإنسان ما ظاهره خير أو يكون ظاهره شرّاً، فإن كان ظاهره خيراً فليحمد الله ويشكره ويُسر بذلك، وإن كان ظاهره شراً فلا شك أن الواجب هو الصبر ومن ثم الرضا بما قسمه الله لـه وقدره ، فقد تقلب المحنة منحة من الله، ويتعامل معها التعامل الإيجابي ؛ لأن كل حدث في الدنيا لـه وجهان:

وجه إيجابي ووجه سلبي .

ولنأخذ على ذلك مثلاً وهو حادث السيارة : فقد يأخذه الإنسان من الوجه السلبي من الخسارة المادية أو حدوث إصابات في جسم هذا الشخص أو ابنه . ولكنه ينسى الوجه الإيجابي فقد يكون هذا الحادث درءاً لشر أكبر أو حادث أعظم ، ولربما كان سبباً ليقظته من غفلته، وسبباً لرجوعه إلى الله بعد أن أخذ العظة والعبرة من هذا الحادث، وقد يكون رفعة لدرجاته بسبب الأجر المترتب على صبره على هذه المصيبة . ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً لـه، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً لـه) .