بحث عن بحث

الوقفة الأولى:

شرح مفردات الباب :

(التوكل) لغة : التفويض والاعتماد.

اصطلاحاً: هو الاعتماد على الله في حصول مطلوب ودفع مكروه مع الثقة به، وفعل الأسباب المأذون فيها  .

(وجلت قلوبهم) : الوجل هو الخوف .

(حسبك الله): الحسب هو الكافي.

الوقفة الثانية:

أورد المصنف - رحمه الله - هذا الباب بعد باب الخوف من الله، وذلك أن الإنسان إذا خاف الله - عز وجل - توكل عليه، ولذلك جاء الأمر بالتوكل والحث عليه في آيات عديدة منها آية الباب ، ]وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[ [المائدة: 23]  .

الوقفة الثالثة:

مع آية الباب  ]وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[ [المائدة: 23].

معنى الآية : وعلى الله فتوكلوا أي اعتمدوا على الله وفوضوا أموركم إليه، ثم ربط هذا التوكل بالإيمان "إن كنتم مؤمنين" فالتوكل من الإيمان بل هو أساس الإيمان .

ولا يكون الإيمان باللسان فقط بل لابد من العمل القلبي، وعلامته أن يظهر أثر هذا على الجوارح .

دلت هذه الآية الكريمة على وجوب التوكل على الله عز وجل حيث جعل الله تعالى التوكل شرطاً للإيمان ، وعلامة ظاهرة عليه .

فمن جعل التوكل منهجاً لـه في هذه الحياة اطمأن قلبه وارتاح باله وسُعِد في الدنيا والآخرة؛ لأن القائم بشؤون هذا الكون هو الله - عز وجل - فأنت اعتمدت على عظيم لا يتعاظمه شيء سبحانه .

ويظهر هذا عملياً في الإنسان بالمقارنة والتشبيه ولله المثل الأعلى، فلو أن إنساناً لـه حاجة دنيوية عند آخر قيل لـه: لا يقضي حاجتك إلا فلان من الناس، فإذا ذهب إليه تجده لا يناديه إلا بأفضل الأسماء إليه ولا يصفه إلا بجميل الصفات ويتقرب إليه، وإذا رجع تجده معلقاً قلبه بفلان ماذا فعل وماذا سيحدث، فإن سمع اتصالاً ظن أنه هذا الرجل، وإن طُرق الباب ظن أنه هو، وقد يصلي ولا يزال يفكر بهذا الرجل، فلو جعل توكله على الله وليس على فلان لكان أولى به وأحرى بل هو الواجب الذي لا يجوز غيره.

ولهذا جعل الله التوكّل عليه جزءاً من مقتضيات عقيدة المسلم وشرطاً في الإيمان كما هو في هذه الآية .

الوقفة الرابعة:

وأما قولـه تعالى: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ[ فقد وصف الله عز وجل المؤمنين في هذه الآية بعدة صفات فالصفة الأولى: وجل القلب إذا ذكر الله أي الخوف والخشية عند ذكر الله - عز وجل - سواء كان ذكر الله بالقول أو ذكر الله بالفعل أو ذكر أقدار الله عز وجل أو ذكر عظمته فالقلوب تخشع وتخاف، وهذا هو قلب المؤمن الصادق .

الصفة الثانية: "وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً" فإذا سمع المؤمن آيات الله تتلى توقف عندها وتأمل وتدبر فيزيد عنده الإيمان ويقوى بذلك، فإذا مرت به آية وَعْد بالجنة سأل الله من فضله، وإذا مرت به آية وعيد بالعذاب والنار استعاذ الله منها، وإذا مرت به قصص الأمم السابقة وكيف كان انتقام الله جل في علاه منهم وقف وتأمل .

الصفة الثالثة: (وعلى ربهم يتوكلون) وهذا هو الشاهد، وأيضاً هنا ربط التوكل بالإيمان حيث جعله صفة من صفات المؤمنين، فمن توكل على غير الله - عز وجل -  ضعف في إيمانه، على تفصيل سيأتي ذكره في أقسام التوكل .

الوقفة الخامسة:

في قولـه تعالى : ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[ [الأنفال:64] وقوله تعالى: ]وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ[ [الطلاق: 3].

في هاتين الآيتين بين الله سبحانه أنه كاف نبيه وكاف من اتبعه من المؤمنين فالحسب هو الكافي، فمتى ما توكلوا عليه سبحانه وعلقوا رجاءهم به فهو ينصرهم ويقويهم.

والمتأمل في القرآن الكريم يجد أن آيات التوكل كثر تكرارها مما يدل على عظم أمر التوكل، فعلى المؤمن أن يتذكر أن الأمور بيد الله مهما تكالبت الخطوب وعظمت المحن ففرجها من الله فليتوكل عليه ويحسن الرجاء فيه.

الوقفة السادسة :

حديث ابن عباس الذي أورده المصنف فيه قصتان: القصة الأولى قصة خليل الله إبراهيم عليه السلام لما ألقاه قومه في النار ليحرقوه بها. هذه النار العظيمة فمن عظمتها أن الطير تحترق إذا مرت فوقها من عظمة ألسنة لهبها، لما ألقي فيها كان موقفه عليه السلام التوكل على الله تعالى بقولـه : ]حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ[   فكانت النتيجة تغيير السنة الكونية بقدرة الله بأن تحولت النار المحرقة إلى نار باردة وسلام لتبقى دليلاً على أن عاقبة قوة التوكل على الله للمؤمن مهما كانت الحال.

والقصة الأخرى في غزوة أحد بعد أن هُزم المسلمون أراد أبو سفيان وكان مشركاً آنذاك أن يرجع إلى المسلمين في المدينة ليقضي على الرسول والصحابة بذلك، أذن مؤذن بالمدينة أن ألحقوا المشركين، فلما وصل المسلمون إلى حمراء الأسد جاءهم رسول من أبي سفيان بأنه راجع إليهم هو ومن معه ليستأصلهم، فازداد الصحابة ثباتاً وإيماناً وقالوا : ]حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ[   .

وكانت النتيجة أن المشركين رجعوا إلى مكة وقد ألقى الله في قلوبهم الرعب، وأما المسلمون فقال الله عنهم ]فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ[  .

الوقفة السابعة :

أقسام التوكل  :

1 - توكل عبادة وخضوع ، وهو الاعتماد المطلق على من توكل عليه بحيث يعتقد أن بيده جلب النفع ودفع الضر، فيعتمد عليه اعتماداً كاملاً مع شعوره بافتقاره إليه، فهذا يجب إخلاصه لله تعالى، ومن صرفه لغير الله فقد أشرك.

2 - الاعتماد على شخص في رزقه ومعاشه وغير ذلك مع التعلق بهذا الشخص، وهذا من الشرك الأصغر.

مثاله: اعتماد كثير من الناس على وظيفته في حصول رزقه، فتجده يعتمد على هذا السبب اعتماد افتقار ، ويحابي من يكون عنده هذا الرزق من مدير ومسؤول، فهو لم يعتقد أنه مجرد سبب بل جعله فوق السبب، وأنه إذا فقد هذه الوظيفة فكأن رزقه انقطع .

3 - أن يعتمد على شخص ويوكَّله في التصرف في أمر معين فلا بأس بهذا .

مثاله توكل شخص في بيع شيء أو شرائه .

الوقفة الثامنة:

أسباب معينة على زيادة التوكل عند المسلم:

1 - أن يربط العبد جميع أموره بالله سبحانه بحيث يستشعر رقابة الله عليه وأن الأمر كله بيد الله.

2 - أن يكثر بقدرما يستطيع من الطاعات والعبادات، فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فمتى ما ضعف الإيمان وقلت الطاعة ضعف التوكل على الله .

3 - العيش مع كتاب الله، فمن تدبر كلام الله وأخذ العبرة مما فيه من قصص ودروس زاد الإيمان عنده فيزيد توكله .

4 - كثرة الذكر لله عز وجل والتأمل والتوقف مع هذه الأذكار، فإذا قال العبد: حسبي الله ونعم الوكيل أو لا حول ولا قوة إلا بالله واستشعر معناها وتأمل ما فيها يقوى بذلك توكله على الله.

5 - أن يربط الأسباب بمسبباتها، والعمل في ضوء السنن الكونية ، فإن أصابه فقر أو مصيبة ونحوه ينظر ما هو الميزان الشرعي في مثل هذا، فلو أصيب بمرض مثلاً يسأل نفسه هل يتداوى أو لا؟ فهو يعلم أن التداوي سبب من الأسباب ولكن الشفاء بيد الله، فلا يبالغ في اعتماده على هذا السبب، وفي المقابل لا يترك السبب، فهذا يخالف السنن الكونية والشرعية ، فالسنة الكونية أنه ما من داء إلا لـه دواء، والسنة الشرعية أن الله أمر بالأخذ بالأسباب كالتداوي بالقرآن والعسل وغير هذا .

6 - إذا أصيب بمصيبة فليعمل السبب ولا يتركه ويميل إلى العجز والتواكل، فترك السبب تواكل وليس توكلاً على الله، فلا يجلس في بيته ويقول: سأرزق المال ولا يعمل السبب، بل قال الله تعالى: ]فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ[ .

ويترك الزواج ويقول: سأرزق الذرية والولد، فلا يقول هذا عاقل فكيف بالمؤمن العاقل.

7 - القراءة في السير والأخبار لمن عظم صبرهم وتوكلهم على الله كالأنبياء والصالحين،  ويتأمل في مصائبهم وكيف جازاهم الله سبحانه على صبرهم وتوكلهم.

الوقفة التاسعة:

ثمرات التوكل على الله :

1 - زيادة الإيمان فكلما زاد التوكل على الله زاد الإيمان به .

2 - ما يحصل للمتوكل من سعادة وطمأنينة في قلبه و راحة في صدره واستقراره في معيشته .

3 - الرضى بما قضاه الله وقدره، وهذه غاية كان يطلبها النبي صلى الله عليه وسلم : (اللهم أسألك الرضا بعد القضاء) فمن وصل إلى هذا المستوى كانت المحن التي تمر به منحاً ونعماً .

الوقفة العاشرة :

من مظاهر ضعف التوكل :

1 - انتشر عند الناس كلمة الخوف من المستقبل، لا شك أن الإنسان يعمل ويكد ويكدح وهذا هو المطلوب، ولكن لا يصل إلى درجة أنه يخاف من المستقبل، فلو فرضنا أن رجلاً يملك الملايين فالله قادر بلحظة أن يذهبها، فالأمر كله بيد الله ، فالمسلم عليه أن يعمل الأسباب الكونية والشرعية وأن يترك المستقبل لمن يملك التصرف فيه وهو الله عز وجل، ويسأله ويدعُوه أن يلطف به وأن يعطيه من فضله فهو الرزاق ذو القوة المتين.

2 - الخوف على الأولاد من نقص الرزق، فتجد الأب يكد ويكدح ويقول: أنا أعمل ليل نهار حتى إذا كبر الأولاد أغنيهم .

فيقال لـه : كم من غني افتقر آخر عمره والعكس، والحل: عليك أن تتوكل على الله وتعلم أن الأمور بيد الله، ثم بعد هذا افعل الأسباب ولا حرج .

والمصيبة في من كانت هذه حاله قد تجده يفرط في الحقوق الشرعية لأجل زيادة الكسب، كأن يترك الزكاة الشرعية والإنفاق الواجب لهذا السبب .

3 - التعلق حال المصيبة بمن يظن أنه يحل لـه هذه المصيبة، كالمريض الذي يتعلق بالطبيب ويرجوه أن يشفيه من مرضه ويهتم به، ونسي أن الشفاء بيد الله، وأن هذه أسباب إن لم يأذن الله بالشفاء بها فلن تنفعك حتى لو ذهبت تطلبها في أقصى الدنيا، فالواجب أن تعمل الأسباب المشروعة مع التعلق بالله، وابتهل لـه بالدعاء.

4 - الذهاب إلى السحرة والمشعوذين ويظن أنهم أسباب مشروعة وأن لديهم الحل لمشكلته أو علاج مرضه، فالحذر كل الحذر من هؤلاء، فقد يخرجون عن عبادة الله تعالى.

5- بعض الناس: يمتنع عن العمل بسبب الخوف من النتيجة مع أنه عمل شرعي، كأن يترك الحج بحجة أنه يخشى أن يموت إن ذهب، أو يخشى أن يصيبه مرض، فمثل هذا يحتاج إلى معالجة أمر التوكل بالرجوع إلى ما ذكرناه من الأسباب التي يقوى بها التوكل عند المسلم، والله أعلم .