بحث عن بحث

الوقفة الأولى:

أورد المصنف قول الحق تبارك وتعالى : ]إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[ في هذا الباب الذي يمكن أن يسمى باب الخوف من الله سبحانه بعد باب المحبة، وسبب هذا الإيراد أن عبادة المسلم ترتكز على أركان من أهمها المحبة لله تبارك وتعالى والخوف منه سبحانه، وهذه الآية تفيد أن الشيطان يخوف أولياءه وأتباعه، ويرهبهم ويوهمهم أنه ذو بأس شديد وذو قدرة فائقة، كل ذلك من الشيطان لأجل أن يخالف هؤلاء أوامر الله سبحانه وتعالى .

الوقفة الثانية:

أنواع الخوف:

الأول: خوف من الله سبحانه وتعالى. خوفَ تأله وتعبد لله سبحانه وتعالى وتقرب إليه فهذا الخوف واجب بل من أعظم الواجبات .

الثاني: الخوف المقابل لهذا الخوف وهو الخوف من الأصنام والأوثان والخوف من السحرة والكهان ونحوهم، فيخاف الإنسان من هؤلاء خوفاً حقيقياً بأن يصيبوه بمكروه؛ وإذا وصل إلى هذه الدرجة فهو شرك بالله سبحانه وتعالى شركاً أكبر ينافي أصل التوحيد.

الثالث: أن يترك الإنسان ما وجب عليه خوفاً من بعض الناس مثاله: ألا يصلي الآن في المسجد خوفاً من بعض الناس، فهذا لا يجوز إلا إذا غلب على الظن ضرره  .

الرابع: الخوف الطبعي، كأن يخاف الإنسان من عدو أو يخاف من الظلام ونحوه، فهذا خوف طبيعي يولد مع بعض الناس، وينقلب إلى مذموم وإلى ممدوح بحسب حال الخائف .

الوقفة الثالثة :

قال تعالى : ]وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ[  .

هذا فيه بيان أن الخوف من الله والخشية بمعنى واحد، لكن إذا أطلقت الخشية معناه خوف تعظيم لله سبحانه وتعالى .

وأراد أن يبين المصنف أن الخوف والخشية من الله صفة من صفات المهتدين، فكما أن المهتدي يصلي ويؤمن بالله عز وجل ويؤمن باليوم الآخر ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة أيضاً لا يخشى إلا الله .

والمقصود (ولم يخش إلا الله) : أي لا يخاف إلا من الله. فالخوف من الله سبحانه وتعالى سبب لهداية الله جل وعلا . والخوف من الله أن يخشى الإنسان عقاب الله جل وعلا لارتكابه محرماً، أو يخشى ألا يقبل عمله الذي يعمله من العمل الصالح .

الوقفة الرابعة:

حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعاً : (إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله...) الذي أورده المصنف يبين أن من الخلل في إيمان الإنسان أن يتعلق الإنسان بالناس دون الله سبحانه وتعالى، فإذا تعلق الإنسان بالناس صار يرضي الناس وإن جر هذا الرضا إلى سخط الله عز وجل ، وصار يبالغ في الثناء على الناس لأنهم تسببوا في جلب الرزق أو الشفاء ونحو ذلك لهذا الشخص، ومثله في المقابل أن يذم الناس لأنهم لم يساعدوه في جلب هذا الرزق، فهذه العواقب إذا وصلت بالإنسان إلى هذا المستوى فهذا من ضعف الإيمان . وجاء في الأثر: (إن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص ولا يرده عنك كراهية كاره)  فمهما زاد حرص الإنسان ومهما فعل في المقابل الآخر أن يرد الرزق عن هذا الإنسان فإن رزق الله جل وعلا حاصل.

الوقفة الخامسة :

حديث عائشة رضي الله عنها الذي أورده المصنف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من التمس رضا الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس).

هذا الحديث عظيم جداً ويضع للمسلم العاقل الميزان الذي يزن به علاقته بالله جل وعلا وعلاقته بالناس ؟

وهذا الميزان هو رضا الله سبحانه وتعالى بهذا الفعل، فالعبد يقدم على فعل من الأفعال فعليه أن ينظر ما هدفه من هذا ؟ هل هو رضا الله سبحانه وتعالى سواء رضي الناس بذلك أو لم يرضوا أو غير ذلك وبناءً عليه يحرص المسلم على تحرير هذا الهدف في جميع أموره وأعماله .

الوقفة السادسة :

هنا سؤال ما الذي يرضي الله تعالى؟ والجواب الواضح أنه ما دل عليه الدليل الشرعي من القرآن الكريم والسنة المطهرة من دون زيادة أو نقصان؟

مثاله أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالصلاة وشرعها وأوجب على المسلم خمس صلوات في اليوم والليلة وندب إلى مندوبات في الصلاة، ولكن لو جعل الإنسان ليله ونهاره صلاة أو جعل صلاة الظهر بدلاً من أربع ركعات جعلها خمس ركعات هل يرضي الله ولو كانت صلاة؟ لا شك أن هذا لا يرضي الله تعالى؛ لأنه خلاف ما شرع، وقس على هذا بقية الأعمال، وبناء عليه يخطئ بعض الناس في هذا الميزان فلا يحرر ما يرضي الله سبحانه وتعالى، وتحرير ما يرضي الله هو ما دل عليه الدليل الشرعي من القرآن ومن السنة.

الوقفة السابعة :

إذا تعارض الأمران عند الإنسان - الخوف من الله والخوف من الناس - فلا شك أنه يقدم الخوف من الله تعالى، لكن إذا وصل الأمر لدى العبد إلى أن يمتنع من فعل الخير بسبب الناس فهو قد خاف منهم ولم يخف من الله فوقع في المحظور، وعلاج هذا أن يتذكر هذا الإنسان الخائف من الناس أن مدبر هؤلاء الناس هو الله سبحانه وتعالى الذي يجب أن يخافه، ويقوى هذا المعنى لديه حتى يستقر في نفسه.

الوقفة الثامنة :

من أهم العوامل التي تجلب الرزق وتأتي به :

أولاً: أن يتوكل الإنسان على الله، ولهذا جاء في الحديث الصحيح : (لو أنكم توكلتم على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)  .

ثانياً: يعمل الأسباب الشرعية دون أن يتجاوزها إلى رضا الناس بما لا يرضى الله تعالى  .

ثالثاً: المداومة على الاستغفار، ولهذا قال سبحانه وتعالى حكاية عن نوح عليه السلام:]فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً[  .

رابعاً: الإنفاق والصدقة في سبيل الله وجاء في الحديث القدسي : (قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم أنفق، أنفق عليك)  .

خامساً: شكر الله سبحانه وحمده على ما رزق من النعم، ودليله قولـه تبارك وتعالى : ]وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ[  .

سادساً: صلة الرحم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (من أراد أن يبسط لـه في رزقه وينسأ لـه في أثره فليصل رحمه)  .

سابعاً: عموم الطاعات: ]وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ[  .

الوقفة التاسعة :

في حديث أبي سعيد رضي الله عنه حقائق مهمة إذا تعامل معها المسلم في هذه الحياة قادته إلى ساحة النجاة بإذن الله - عز وجل - .

الحقيقة الأولى: على الإنسان في هذه الدنيا أن يعمق يقينه بالله عز وجل بمعنى أن يحاول الوصول إلى كمال الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فاليقين درجة عليا من الإيمان بالله جل وعلا، فإذا وصل إلى هذه الدرجة انفتحت لـه خيرات الدنيا والآخرة، ولكن إذا ضعف هذا اليقين بدأت الأمور تختلط عليه، ولذلك يبين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن من ضعف الإيمان وضعف اليقين علامات إذا اتصف الإنسان بإحداها، فهنا دلالة على ضعف يقينه وضعف إيمانه، ومن هذه الصفات وهو محل الشاهد : (إرضاء الناس بسخط الله سبحانه وتعالى ).

والمؤمن في هذه الدنيا مأمور بإرضاء الله سبحانه وتعالى، وإرضاء الله - سبحانه وتعالى - قد يسخط بعض الناس بلا شك، لماذا؟!

لأنه ينظر إلى الأمر العاجل ولا ينظر إلى الأمر الآجل، ينظر إلى الدنيا ولا ينظر إلى الآخرة، فمثلاً في التعامل في الأمور المالية قد يكون الربا أعظم كسباً ظاهرياً من التعامل بالأمور الحلال، فمن السهل على الإنسان أن يضع جملة من أمواله في مصرف ربوي ويجلس دون عمل ويقول لـه البنك لك 10% مثلاً ويتعامل بالربا، ويضمن لـه هذا المصرف ضماناً أن يعطيه في العام القادم هذه النسبة من المال فيظن الإنسان أنه إذا منع من هذا التعامل خسر ماله وكتمت حرية تصرفه، وهذا ليس بصحيح لأن الأمور لا تقاس بلحظتها العاجلة، فإذا كان الله سبحانه وتعالى يمحق الربا ويربي الصدقات مع أن الظاهر أن الربا يزيد المال والصدقة تنقص المال لكن الله سبحانه وتعالى قرر هذه الحقيقة الصادقة التي لا تتخلف، وهي يمحق الله الربا ويربي الصدقات.

ومعنى ذلك: أن المال المتصدق به يزيد، وأن المال الذي يتعامل فيه صاحبه بالربا ينقص وهذا يخالف ظاهر الحال ولذا فهو يحتاج إلى قوة في علاقة الإنسان مع ربه عز وجل، فمن ضعف اليقين أن تسخط الله بهذا التعامل وترضي نفسك بهذا الكسب .

والأمثلة على هذا أكثر من أن تحصر في تعامل الناس بعضهم مع بعض في إرضاء غيرهم مع سخط الله عز وجل، فيجب على المسلم أن يكون شعاره رضا الله سبحانه وتعالى رضي الناس أو سخطوا.

الحقيقة الثانية:   قد يفهم بعض الناس ألا تشكر الناس على ما يؤدون إليك من معروف، ليس المقصود هذا بل أُمر الإنسان أن يشكر من أدى إليه معروفاً، وجاء في الحديث (من لم يشكر الناس لم يشكر الله)   فليس المقصود عدم الشكر، إنما المقصود التعلق يعني أن تعلق رزقك بهؤلاء الناس فتعلم أن هذا الرزق معلق بفلان، وبناء على هذا التعلق تسخر أقوالك وأعمالك وتصرفاتك لأجل أن يرضى فلان، فإذا أعطاك شيئاً من المال شكرته وأثنيت عليه ومدحته بعيداً عن التعلق بالله سبحانه وتعالى، ولا شك أن الثناء الأول لله سبحانه وتعالى هو الذي سخر فلاناً لكي يقوم بشيء من العمل الذي يجلب لك شيئاً من المال، فالمقصود في الذم الثناء على هذا الإنسان بالتعلق به، وليس المقصود شكره على هذا المعروف، بل من الآداب العظيمة في هذا الدين أنك ترد المعروف إلى صاحبه، فإن لم تستطع فلا أقل من شكره والدعاء لـه بقولك (جزاك الله خيرا)، وكما أشرنا في الحديث الصحيح (من لم يشكر الناس لم يشكر الله عز وجل)  .

الحقيقة الثالثة:  (أن تذمهم على ما لم يعطِك الله) وذلك لتعلق قلبك بالرزق من فلان، فإذا عملت لـه وخدمته ولم يعطِك شيئاً من المال الذي تأمله فتذمه على ذلك، تذمه على ما لم يقدر الله، فهذا يدل على أن الإنسان تعلق بفلان، ولم يعلق القلب بالله سبحانه وتعالى ويعلم أن فلاناً من الناس ما هو إلا سبب فإن شاء الله جل وعلا أن يسخر فلاناً سخره . وإن شاء الله سبحانه وتعالى منعه من ذلك لأنه لم يكتب لك الرزق من هذا الطريق وإنما كتبه لك من طريق آخر، ولذلك أكد الرسول عليه الصلاة والسلام هذا المعنى بقوله : (إن رزق الله لا يوجده حرص حريص ولا يرده كراهية كاره) رزق الله مكتوب للإنسان وهو في بطن أمه، ولكن أمر الإنسان بالعمل، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق لـه)   فالحرص الشديد يعني الطلب بحرص لا يوجد الرزق. فرزق الله آتٍ وإن كرهت الخليقة كلها وأرادت أن لا يأتيك الرزق، سيأتيك رزق الله مهما كان، ومعنى ذلك لا تعلق القلب بفلان ولا بفلان أخذاً ولا رداً، إعطاءً ولا منعاً، وإنما علق القلب بالله سبحانه وتعالى، وتعامل بهدي الله سبحانه وتعالى، وبما أمر الله سبحانه وتعالى واعمل وجد في العمل ولكن بدون حرص، ولا يقع في قلبك أدنى خوف من أن يمنع رزقك فلان من الناس، فرزق الله سيأتي حتماً، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام هنا يعلمنا التعامل الوسط: اعمل وتعلق بالله سبحانه وتعالى قبل ذلك وسيأتيك هذا الرزق، فلا تضعف اليقين بالتعلق بفلان أو علان من الناس، سواء لطلب ما لديه أو خشية أن يرد ما كان مكتوباً لك .

الوقفة العاشرة:

في تعامل الناس اليوم أخطاء كثيرة جداً في هذا المعنى الدقيق، فمثلاً تجد بعض الناس يثني على فلان أمامه ويذكر من حسناته ويمدحه بما ليس فيه لأجل أن يرقيه مرتبه، وإذا جلس في مجلس آخر ذكر سلبياته وسيئاته وبما فيه من العيوب، فهذا تعلق قلبه بفلان فلا شك أن هذا من التعامل الخاطئ عند كثير من الناس .

ومن التعاملات الخاطئة أيضاً في هذا الباب تلبس الإنسان بما ليس فيه، يجلس عند إنسان ويقول: أنا عملت وعملت ويلوح بالقدح بالآخرين بأنهم لم يعملوا وأنا أديت ولم يؤدوا، وإن لم يسمِّهم ولكنهم لدى هذا المسؤول معروفون، فكل ذلك لا يجلب رزقاً ولا يمنع رزقاً، فاعلم أن الذي يعطي ويمنع هو الله سبحانه وتعالى .

ومن التعاملات الخاطئة التفريط في بعض الواجبات بسبب طلب الرزق فمثلاً يخرج من بيته في الصباح الباكر وقد تفوته صلاة الجماعة كثيراًبحثاً عن هذا الرزق ويترك أولاده وأسرته، وقد يأتي في منتصف الليل وأولاده قد ناموا ويخرجون وهو نائم ثم يخرج بعدهم وهكذا دواليك، يهمل أسرته وأولاده وما يتعلق ببيته ليبحث عن كسب معين، فالله سبحانه لم يأمر بهذا، فعلى الإنسان أن يعمل بقدر ما يستطيع من دون أن يخل بواجب، وهذه الواجبات سواء كانت لله مباشرة كالصلاة والصيام، أو كما في الواجبات الأسرية وغيرها، فلا يمكن أن ينال المال بمثل هذا، ولو أخذ أو جاء شيء من المال ولهث وراءه من أجل هذا فقد أهمل واجبات عظيمة قد يخسر أشياء كثيرة من هذا المال بسبب هذا الإهمال وبسبب ترك هذه الواجبات، فهذا الكلام هو تقرير لهذه الحقيقة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم أن رزق الله لا يوجده حرص حريص ولا يرده كراهيته كاره .