بحث عن بحث

الخطبة الثانية

  الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلاَّ على الظالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، كفى به بذنوب عباده خبيراً بصيراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد الله!

   إن نجاة الأمة وسلامتها في أن نعود جميعاً – فرادى وجماعات، رعاة ورعية- إلى نفوسنا باللوم على ما فرطنا في جنب الله، لوماً إيجابياً يدفع إلى تدارك الخلل والقصور والتوبة من الذنوب، والقيام بما حملنا من أمانة ومسؤولية ؛ حتى نكون أهلاً للنصر والأمن من المحن والكوارث، قال الله جل وعلا : ( ولو أنَّ أهل القرى آمنوا واتَّقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السَّماءِ والأرض ولكن كذَّبوا فأخذناهم بما كانُوا يكسبون (الأعراف: 96)

   وقال سبحانه: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذين آمنُوا منكم وعمِلُوا الصَّالحاتِ ليستخْلِفنَّهُم في الأرض كما استخلف الَّذين من قبلهم وليُمكِننَّ لهم دينهُمُ الذي ارتضى لهُم وليُبدِّلنَّهُم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يُشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأُولئك هُمُ الفاسِقُونَ) (النور : 55).

أيها المسلمون! هذا ما يريده الله عز وجل من عباده، تقواه وطاعته، وهذا جزاؤه لمن لبى وأطاع؛ بركات وأمن وعز في الدنيا، وجنة في الآخرة، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

   أيها المسلمون! تلك المعالجة العامة، أما على التفصيل:

   فأولها: الرجوع إلى النفس، والتوبة مما وقع من الإنسان من الذنوب والمعاصي. فلا يقول امرؤ: الدولة هي المسؤولة، ويجب أن يتدخل المسؤولون؛ فعلى الفرد أن يتوب من الربا، نعم.. من الربا، ومن الشبهات التي تتدرج به إلى الحرام، وأن يقلع عنها.

  ويجب أن تتوب الشركات والمؤسسات من جميع الحيل كحيلة ما يسمى بـ: "المختلطة" و "التعامل بالتورق" على الورق دون مراقبة شرعية، وغيرها.

   كما يجب أن تتوب الوزارات التي تقر تلك الأنظمة الربوية، وأن تكون أولى المعالجات من قبل الدولة على هذا الأمر.

   فوالله مهما جاءت المعالجات دون التوبة والندم من الجميع؛ فلن تكون إلا كالحبوب المسكنة للألم، ولا يلبث إلا وأن يعود.

   وثانيها: القيام بحق المال من الزكاة الواجبة والصدقات المستحبة، فكما يجب على الفرد إخراج الزكاة فعلى مصلحة الزكاة والدخل أن تدقق على تلك الشركات والبنوك والمؤسسات المتلاعبة التي خدعت أكثر الناس.

   قال الله جل وعلا: ( والَّذيِنَ يكنِزُون الذَّهبَ والفِضَّة ولا يُنفقونها في سبيلِ الله فبشِّرهم بعذابٍ اليم* يوم يُحمى عليها في نار جهنَّم فتُكْوى بها جِباهُهُم وجُنُوبُهم وظُهُورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كُنتم تكنِزُونَ) (التوبة : 35).

    وصح فيما رواه الطبراني، عن ابن عمر رضي الله عنهما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم يمنع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا".

وثالثها : مراقبة الله تعالى في جميع شؤوننا، وإشاعة مبدأ التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مستوى الأفراد، وتشجيع الهيئات الرسمية، والشد على يديها، والتعاون معها، والدعاء لها بالعون والتسديد، وكبح الشانئين والساخرين منهم من أصحاب الهوى والفسق، وضعاف الإيمان، أو أصحاب النفاق، فلا يبغض هذا المبدأ الذي جعل الله تعالى خيرية الأمة به إلا ضعيف الإيمان، أو ضعيف العقل، أو من دخل النفاق قلبه.

   ورابعها: الأخذ على أيدي العابثين بالدين، أو بالأنفس، أو بالأعراض، أو بالأموال. وإن الواجب في هذا الأمر كبير، وفي هذا الوقت أكبر، إذ وصل الأمر إلى التساهل المقيت في الأعراض؛ فهذا الإعلام – مرئيه ومسموعه ومكتوبه- يزداد عبثه في الدين والأعراض، وأصبح ما كان محرماً بالأمس حلالاً له اليوم.

   ألا يتقي الله أولئك الذين على سدته؟ ! ألا يخافون الله؟ !

أيها المسلمون!

إن الأمر جد خطير، إذا لم يُتدارك الأمر بالمعالجات الشرعية، وكل واحد على ثغر، وهو مسؤول أمام الله تعالى.

   فالفرد مسؤول، وأيم الله، والمجتمع بمختلف شرائحه، من علماء ودعاة وكُتَّاب ووجهاء ورجال أعمال ومؤسسات وشركات، والدولة مسؤولة "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".

   فالله الله بالقيام بالمسؤولية قبل فوات الأوان.. ( إنَّ في ذلِكَ لذِكْرَى لِمنْ كان لهُ قلبٌ أو ألقى السَّمع وهُوَ شهيدٌ ) (ق : 37).

   وصلوا وسلموا على رسول الله كما أمركم الله جل وعلا بقوله : (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً).