بحث عن بحث

وقفات مع نزول الأسهم  وكثرة الغبار

   الحمد لله الواحد القهار، خلق السموات والأرض والجبال والبحار، وصرّفها بقدرته بما يشاء ويختار، من رزق وخير وأمطار، ونُذُرٍ ومحنٍ للعظة والاعتبار (يُقلِّبُ اللَّهُ اللَّيل والنَّهار إنَّ في ذلك لعبرةً لأُولي الأبصار). (النور: 44) وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له العزيز الغفار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه البررة الأطهار والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار، أما بعد: عباد الله! اتقوا الله ليوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

أيها المسلمون!

  لقد بعث الله محمداً بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وجعل رسالته خاتمة الرسالات، ودينه خاتم الأديان وأكملها وأتمها، قال الله عز وجل: ( إنَّ الدِّينَ عِند اللَّهِ الإسلام) (آل عمران: 19) ، (وَمَن يبْتَغِ غيرَ الإسلامِ ديناً فلن يُقبل مِنهُ وهُوَ في الآخرة من الخاسرين) (آل عمران: 85)

   ولقد أحاطت شرائع الإسلام بكل ما يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم من الأحكام، قال جل وعلا : ( ونزَّلنا عليك الكتابَ تِبياناً لكُلِّ شيءٍ) (النحل: 89) ، وقال تبارك وتعالى : (ما فرَّطنا في الكِتابِ من شيء) (الأنعام: 38) ، وقال عز من قائل: ( اليومَ أكملتُ لكُمْ دينَكم وأتممتُ عليكُمْ نِعمتي ورضيتُ لكُمُ الإسلامَ دِيناً) (المائدة : 3).

   وبعث الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بشيراً ونذيراً، بشيراً للمؤمنين بالرضوان وجنات النعيم، ونذيراً للمعرضين عن الحق والهدى بالخسران ونار الجحيم.

   قال المولى جل وعلا: ( إنَّه من يأتِ ربَّه مُجرماً فإنَّ له جهنَّم لا يموتُ فيها ولا يحيى* ومن يأتِهِ مُؤمناً قد عمل الصالحات فأُولئِك لهُمُ الدَّرجاتُ العُلَى* جنَّاتُ عدنٍ تجري من تحتها الأنهارُ خالدينَ فيها وذلك جزاء من تزكَّى ) (طه: 74-76)

   أيها المؤمنون! وكما بيَّن الله تعالى الطريقين؛ فقد حذر مَنْ سلك طريق الغواية، وإذا بدا الانحراف وانتشر في المجتمع وغفل الناس؛ يرسل الله تعالى لهم نذراً ، ونُذر الله تعالى لمن تنكب صراطه المستقيم، كثيرة متنوعة، يرسل الله منها ما شاء، حيثما شاء، على ما شاء.

   نُذُرٌ من الأرض، ونذر من البحار، ونذر من السماء، يبعثها الله تعالى نذيراً للعباد؛ وجزاء لما يقع في الأرض من الفساد، من براكين وأعاصير، وزلازل وفيضانات، وتخويف وإرهاب، ومحن ومجاعات.

   قال الله جل وعلا: ( ظهر الفسادُ في البرِّ والبحر بما كسبت أيدي النَّاس ليُذيقهُم بعض الَّذي عملوا لعلَّهم يرجعون) (الروم: 41). وقال سبحانه : (أوَلاَ يرونَ أنهُم يُفتنون في كلِّ عامٍ مرَّةً أو مرَّتين ثمَّ لا يتُوبُون ولا هم يذكَّرون) (التوبة : 126) .

أيها المسلمون!

  ولقد مرت وتمر بنا بعض هذه النذر، ومما مرّ في الأسابيع الماضية: حدثان جديران بالوقوف معهما وتأملهما في ضوء سنن الله تعالى، هذان الحدثان هما: كارثة نزول الأسهم، التي شغلت الناس وصارت حديث مجالسهم، وكثرة الغبار مع قلة الأمطار.

   فأما كارثة نزول الأسهم، فإن من يتأمل فيها يرى عجباً، أناس علقوا آمالهم ورجاءهم في أسهم تنخفض وترتفع، فتارة يخسر المرء وتارة ينتفع، وتارة يحجم لضعف السوق وتارة يندفع، حتى إذا وقعت المحنة العامة، وفقد كثيرون كثيراً من أموالهم إذا بهم يفقدون معها صوابهم ورشدهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

عباد الله !

   إنها محنة بحق لقلوب العباد، واختبار لهم في مستويات التوكل واليقين برب العالمين، الذي قال في كتابه الكريم : ( وفي السَّماء رزقكُم وما تُوعدون) (الذاريات: 22).

   لكن أقواماً أسرفوا على أنفسهم فعلقوا أمانيَّهم بأسهم لا تضر ولا تنفع إلا بإذن الرزاق ذي القوة المتين؛ فذاقوا طعم الحسرات وعلتهم الكآبة حتى كأنهم ثكلوا في أحب الناس إليهم، وصدق المولى الجليل (وتُحِبُّونَ المالَ حُبَّاً جمَّاً) (الفجر: 20) ، (وإنَّهُ لِحُبِّ الخيرِ لشديدٌ) (العاديات: 8).

أيها المؤمنون: لم يحرم الإسلام التجارة والسعي في طلب المعايش، ولا حجر على الناس موارد الرزق الحلال، لكن أن يصل الأمر إلى ما يشبه العبودية لهذا المال؛ فهذا سبيل البوار، وبئس المآل، وصدق رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: " تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش".

عباد الله!

   ولو كان الأمر يقف عند صدمة  الحزن العنيفة لنزول الأسهم وفقد الأموال، لكانت المصيبة واحدة، لكن المصائب كُثُر في هذه المحنة، فتبدأ من الأساس ببناء على شفا جرف هار، من الركض وراء الكسب السريع دون التحري في اختيار الشركات والمؤسسات والبنوك والتأكد من سلامتها من الشبهات. ثم تأخذ أصحاب الأسهم بعد ذلك- إلا من رحم الله- دوامة متلاطمة الأمواج من اللهاث والمتابعة واللهفة وتحرق القلب؛ حتى يلهيهم ذلك عن ذكر الله وإقام الصلاة كما أمر الله، وعن بيوتهم ورعيّتهم التي هم مسؤولون عنها يوم الحساب.

  بل يتمادى الحال ببعضهم؛ فلا يكاد يذكر الله حقاً في ماله، أو يخرج زكاته التي أمره بها، من فرط الغفلة والشغف بالمال.

   فإذا نوصح أحدهم تعلل بالانشغال، وأنه رجل أعمال، فبئست الأعمال تلك التي تشغل الإنسان عما يُسأل عنه بين يدي ربه، فهل سيمكنه وقتها ذكر هذه الأعذار؟ !   وبئست الأموال، وحريٌّ ألا يُبارك فيها تلك التي تحول بين امرىء وبين مرضاة الله وتقواه.

   وهل يسر أحداً من هؤلاء أن يحشر مع أرباب الأموال الذين صدتهم عن ذكر الله؛ وضربت بهم الأمثال، مثل قارون، وأبيِّ بن خلف؟ !

   أيها المؤمنون! إن المحاذير التي شابت الانفتاح الأخير في ميدان الأسهم كثيرة، ينبغي لمن خشي الله تعالى واتقاه أن يقف عليها ليحذرها ويحذر منها، فمنها:

   الوقوع في الربا والشبهات وعدم تحري الحلال، بعدم التدقيق في تحديد الشركات المشهود لها بالسلامة من أهل العلم، قال الله تعالى: (فاسألُوا أهل الذكر إن كُنتم لا تعلمُون) (النحل : 43) أو تتبُّع مفتين معينين؛ لما يُعرف عنهم من التحليل والتساهل في أمر دون آخر.

   ومنها: المجازفة والمخاطرة في ميدان لا تُؤمن عواقبه؛ بسبب الطمع في الثراء السريع، فتجد من الناس من وضع أمواله كلها وقوت عياله في الأسهم، بلا حيطة ولا حذر، بل وصل الحال إلى من باع بيته أو مصنعه أو متجره؛ فعطّلت مصالح، وقطعت علائق، وحدِّث ولا حرج عن أمور يندى لها الجبين. قال تعالى: (يا أيُّها الذين آمنوا خُذُوا حِذركُم) (النساء: 71).

   وقال رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت"

   ومن المحاذير: إهمال الأعمال والعيال، وتضييع الأمانات والمسؤوليات؛ بسبب الانشغال بهذه الأسهم، ليلاً ونهاراً.

   فذلكم – يا عباد الله- حصاد العبث بهذه النعمة التي سخرها الله لعباده، فأبى أكثر الناس إلا جحدها بتصرفاتهم الخاطئة وجشع النفوس ونهمها إلى الاستزادة منها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه"  .

  فاتقوا الله - عباد الله !- واحذروا هذه الفتن، واتقوا هذه المحاذير، واعلموا أن الله تعالى سيسأل كل امرىء عن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ فقد صح عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن علمـه ما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه". (2)

  أيها المسلمون! أما وقد وقعت الكارثة وعمت كثيراً من الناس، فلا يكفي التلاوم، ووصف الحال المشين، ولكن إذا أحدث الله تعالى هذه الظواهر العامة أن يقف الفرد مع نفسه، والمجتمع، والدولة؛ للتبصر في مواقع الخلل، ومعالجتها المعالجة الشرعية الحقة الصريحة التي تنقذ من الهلاك، في الدنيا والآخرة.

   وإن من المؤسف- والحديث حديث مصارحة ومكاشفة- أن المعالجات كلها ناقصة وقاصرة، بل ولم تتعرض إلى مكمن الداء وموضع المرض. فتارة تسمع همسات بأن السبب دخول فلان وخروج علان.. لكنك لا تسمع أن من أهم الأسباب: التعامل بالربا، وأكل أموال الناس بالباطل، والوقوع في الشبهات، وتضييع الصلوات، وإهمال الأسر والبيوتات، وعدم إخراج الزكوات، وغيرها من الآثام والآفات.

   هذا- أيها المسلمون- هو السبب الحقيقي الذي يجب أن يكون محل النظر وموضع الداء؛ ليعالج بحق وصدق، ومصارحة ومناصحة، ومكاشفة مع النفس والمجتمع والدولة.

   أيها المسلمون! والمحنة الأخرى التي أثرت على البلاد والعباد: كثرة الغبار الذي ملأ الآفاق بصورة مفاجئة لم يعهد لها مثيل منذ زمن بعيد.

   فقليل من الناس من وقف مع هذه المحنة وقفة تأمل، بردِّ الأمور إلى مسبباتها، وتذكر سنن الله وأيامه في الناس والأمم؛ فما هذه المحن التي تنزل بالناس إلا جزاء ما جنت أيديهم من المعاصي، وموعظة للمتقين، (ظهرَ الفسادُ في البرِّ والبحر بما كسبت أيدي الناس ليُذِيقهُم بعض الَّذي عملوا لعلَّهم يرجعون) (الروم : 41).

   ولقد كان رسولكم صلى الله عليه وسلم يتغير وجهه ويتأثر عند رؤية هذه الظواهر حتى تزول، ويفزع إلى الدعاء والعبادة، جاء في صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف في وجهه، قالت: يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية، فقال: " يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ عُذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: هذا عارض ممطرنا"  .

   فهذا خاتم المرسلين الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يتغير وجهه إذا رأى تغيراً في الأجواء؛ من خشية الله عز وجل. فحري بمن يتبع هديه وسنته، أن يتوقف مع هذه التغيرات الطارئة التي عمت الأجواء؛ فيفزع إلى الله تعالى ويحث إخوانه المسلمين على الذكر والدعاء، والتوبة من الذنوب والمعاصي؛ عسى الله- بمنه وكرمه- أن يرفع البأس ويكشف الضر عن البلاد والعباد.

   أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.