بحث عن بحث

أحداث الرس وقفات وتأملات

الخطبة الأولى

   الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأحمده سبحانه ولي المؤمنين، وأشكره على فضله العميم، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له الإله الحق المبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وبارك ، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين، ومن سار على نهجهم واتبع خطاهم إلى يوم الدين، وأما بعد :

عباد الله! اتقوا الله تعالى، وراقبوه في السر والنجوى تفلحوا في الآخرة والأولى.

أيها المسلمون! لقد سمعتم بل وسمع العالم ما وقع من أحداث أليمة في محافظة الرس في وسط هذا الأسبوع مما قامت به هذه الفئة الباغية، وما خلف من مصائب ومعايب، وقضايا ومشكلات وتفجير وتدمير، وترويع وتفجيع، وهلاك للأنفس والمقدرات، وضياع للأموال، وتيتيم للأطفال.

   حدث في سلسلة أحداث سابقة ، سبق الحديث عنها، تركزت حول أسباب هذه الظاهرة، والوقوف على بعض نقاط العلاج، وفي هذه الجمعة المباركة نقف وقفات مع تجدد هذه الأحداث الأليمة، تبصيراً وتذكيراً وتوضيحاً وتحليلاً.

  • الوقفة الأولى: لسنا بحاجة على التأكيد على أنها ظاهرة مؤلمة تحز في النفس، وتؤلم الضمير، وتخلف الدمار، وتخرب الديار، وتزرع الخوف، وتروع الصغار والكبار، وتصنيع الأموال، وتفتح كثيراً من أبواب الشرور والآثام، وتوسع منافذ دخول الأعداء من الداخل والخارج. وتفتح المجال لكل ناعق ضد هذه البلاد وعقيدتها ومبادئها وعلمائها ونظامها وأهلها.
  • الوقفة الثانية: لا شك أيضاً أن هذه الأحداث لا تخرج عن سنة الابتلاء، تلك السنة العظيمة التي كتبها الله تعالى على عباده المؤمنين في هذه الحياة للاختبار والتمحيص، وبيان الحق من الباطل، جرت هذه السنة على أنبياء الله تعالى ورسله، والخيرة من خلقه، ولا تزال إلى قيام الساعة، وكما هي سنة على الأفراد، فهي سنة على الأمم، ومن ذه السنة على أنبياء الله تعالى ورسله، والخيرة من خلقه، ولا تزال إلى قيامأدرك هذه السنة، فتعامل معها بما يقابلها من الضوابط الشرعية سلم ونجى من الولوج فيها، كما سيأتي في وقفة أخرى.
  • الوقفة الثالثة: تلكم هي في حكم هذه الأفعال المشينة، فلا يشك عاقل فضلاً عن طالب علم أو عالم بحرمتها، وأنها جريمة من الجرائم الكبرى بما حملت من جنايات ومخالفات ومنها:

القتل الذي هو أعظم جريمة بعد الشرك بالله سبحانه، فلم يتوعد الله تعالى بالخلود في النار سوى الشرك، والقتل العمد. قال تعالى: ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنَّم خالداً فيها ، وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذاباً عظيماًً) [النساء : 93]، بل وليس هذا الوعيد لقتل النفس المؤمنة، بل كل نفس معصومة قال عليه الصلاة والسلام- فيما رواه البخاري وغيره- (ومن يقتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة)  ومنها: الإفساد للأموال والممتلكات والمقدرات. وجاء الوعيد الشديد لهذا الإفساد، قال تعالى: ( وإذا تولَّى سعى في الأرض ليُفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد. وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد) [البقرة 205-206] ومنها: الخروج عن الجماعة، والشذوذ عنها، والتعدي بهذا الخروج على سلطة ولي الأمر، وهذا هـو البغي والعدوان- قال عليه الصلاة والسلام : (وعليكم بالجماعة، فمن شذ شذ في النار).

وقال عليه الصلاة والسلام: (من خرج من الجماعة قِيْدَ شبرٍ ، فقد خلع رِبْقة الإسلام من عنقه إلا أن يُراجِع). (2)

ويقول أيضاً فيما يرويه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة: (من فارق الجماعة وخرج من الطاعة، فمات فميتته جاهلية، ومن خرج على أمتي  يضرب بَرَّها وفاجرها لا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد بعهده، فليس من أمتي، ومن قتل تحت راية عُمِّيَّة يغضب للعصبة، أو يقاتل للعصبة، أو يدعو إلى العصبة فقُتِلَ ، فقِتْلَةٌ جاهلية (3) .

  • الوقفة الرابعة: لا شك أن من أهم أسباب ولوج بعض الشباب الأحداث في هذا المسلك المشين المظلم هو الجهل.. الجهل بشريعة الله وأحكامه .. والجهل بالمقاصد الشرعية.. والجهل بمقتضيات العقيدة.. والجهل بما تؤول إليه الأمور وعواقبها.. والجهل بالمصالح العامة والمفاسد.. والجهل بالواقع وأحواله.. والجهل بمصادر التلقي.. والجهل بالدعوة وأهدافها ووسائلها.. والجهل بالمصطلحات والمفاهيم الشرعية، إن الجهل داء خطير، ومرض فتاك ما دخل نفساً إلا أزاغها، ولا داراً إلا أهلكها، ولا مجتمعاً إلا فرقه أحزاباً وأشياعاً.

ومن الأسباب أيضاً : البعد عن العلماء المعروفين المعتبرين، مصادر الهدى، ومصابيح الدجى، حمَّلهم الله تعالى أمانة العلم والتبليغ، ففضَّلهم على سائر الخلق، ورفعهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) [الزمر 9] ، وقال سبحانه: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) [المجادلة 11].

والعلماء هم ملاذ الأمة في المحن والإحن الفردية والجماعية، فما بال هؤلاء الشباب يصدرون عن المجهول، ويتركون المعلوم؟! هذا عين البعد وعدم التوفيق.

ومن الأسباب أيضاً: اتباع الهوى، والميل مع النزوات والانفعالات، وما دخل الهوى إلى القلوب إلا أضلها وانحرف بها غلواً وتقصيراً، ولو سار الناس بأهوائهم لفسد العباد، وخربت البلاد . قال تعالى: ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) [المؤمنون 71].

  • الوقفة الخامسة: إن مما تضل به الأذهان، ويكون سبباً لهذه الأفعال المشينة، ما في المجتمع من بعض المخالفات الشرعية التي يتذرع بها هؤلاء، فيجعلونها سبباً لمواقفهم المتشددة. إن إنكار المنكر والتعامل معه له ضوابطه ووسائله ومحدودياته، لا بد لمن يغار على دينه أن يكون على فهم صحيح لها، حتى تأتي تصرفاته ومواقفه متوافقة مع تلك الضوابط.

والجواب الحق الذي لا مرية فيه أن المستفيد أعداء الإسلام من الكفار واليهود والمنافقين، وما قصدت هذه البلاد إلا لدينها واستقرارها ودعوتها، فلنعي هذه الحقيقة، عصمني الله وإياكم ومجتمعنا ومجتمعات المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.