بحث عن بحث

الخطبة الثانية

   إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

عباد الله !

الوقفة الرابعة: إن محبة الرسول- صلى الله عليه وسلم- عقيدة راسخة في قلوب المؤمنين، ثمرتها الاقتداء والبذل والعطاء والتضحية والجهاد في سبيل نصرة دينه وإعلاء لوائه وحماية سنته، وهذا الحبُّ العميق الدقيق ليس حباً إدعائياً، ولا عاطفة مجردة، ولكنه حب برهانه الاتباع والطاعة والانقياد والاستسلام، وأيّ فصل بين الحب والاتباع فهو انحراف في الفهم وانحراف في المنهج. الحب الصادق يقود إلى الاتباع، والاتباع الصحيح يذكي مشاعر الحب. وقد سبق تفصيل ذلك في الخطبة السابقة، لكن هذه الأحداث تملي علينا تعميق الإتباع والإقتداء .

الوقفة الخامسة: إن من الحقيقة التي نؤمن بها/ أن الهجوم على الإسلام ونبيّ الإسلام لا يزيد الدين وأهله إلا صلابة وثباتاً وانتشاراً وظهوراً، وفي كتاب ربنا: (هو الذي أرسل رسوله بالهُدى ودين الحقّ ليُظهرهُ على الدّين كله وكفى بالله شهيدا) (الفتح: 28)

   على أهل الإسلام أن يتحلّوا باليقظة والوعي لما يتعرّض له الإسلام والمسلمون من تهديدات ومخاطر، وأن لا يستجيبوا لاستفزازات المتعصبين، ولتكن مواقفهم محسوبة، مع حُسن تقدير للعواقب ، كما يجب التآزر والتعاون في التصدي لهذه الحملات المغرضة الجائرة، وأن يبذلوا كل جهدٍ ممكن وإمكانات متوفرة من أجل دحض هذه الافتراءات وكشف زيفها وكذبها.

الوقفة السادسة: أن هذه الحملات لا تعني أن نغير ديننا إلى دين سباب وشتائم بل ديننا دين العدل والإنصاف ولذا يجب على المسلمين أن يبينوا دينهم كما أنزل على محمد، كما ندعو كل منصف وكل طالب للحقيقة أن يقرأ ديننا من مصادره، وأن يطّلع على سيرة نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم-، فهي مدوّنة محفوظة تدويناً وتوثيقاً، لا يدانيه توثيق، ولا يقاربه تحقيق. وليعلم طالب الحقيقة ومبتغي الإنصاف أنّ المسلمين يكفيهم فخراً وشرفاً أن دينهم يحرّم كل انتقاص أو تكذيب لأيّ نبي من أنبياء الله، ويأمر باتباع ما جاؤوا به، (شَرَعَ لكُم منَ الدّين ما وصَّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصَّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدّين ولا تتفرقوا فيه) (الشورى: 13).

   بل لقد نُهي المسلمون عن التعرض لأديان المشركين حفاظاً على الحق وحماية لجناب الله عزّ شأنه، ففي محكم التنزيل: (ولاَ تسُبُّوا الَّذين يدعون من دون الله فيسُبُّوا الله عدْواً بغير علم كذلك زينَّا لكل أمة عملهم) (الأنعام: 108).

   إنَّ المسلمين يحترمون جميع رسل الله، ويوقّرون كلَّ أنبياء الله، عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام: (ءامَنَ الرَّسولُ بما أُنزلَ إليهِ من ربِّهِ والمؤمنون كُلٌّ ءامنَ بالله وملائكته وكُتُبه ورُسُلِهِ لا نُفرّق بين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غُفرانك ربَّنا وإليكَ المصير) (البقرة: 285).

الوقفة السابعة: إننا- معاشر المسلمين- نعتقد اعتقادا جازماً أن الله سبحانه سيحمي سُمعة رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، ويصرف عنه أذى الناس وشتمهم بكل طريق، حتى في اللفظ.

   ففي البخاري ومسند أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: " ألا ترون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنَهم، يشتمون مُذمَّماً، ويلعنون مُذمَّماً، وأنا محمد. " !   فنزَّه الله اسمه ونعْتَه عن الأذى، وصرف ذلك إلى من هو مُذمَّم، وإن كان المؤذي إنما قصد عينه".  قال تعالى: (إنَّا كفيناك المستهزئين) (الحجر: 95) وقد سبق ذكر أقوال أهل العلم في ذلك في سياق الخطبة السابقة.

الوقفة الثامنة: إن هذه السخرية والاستخفاف لهي سبب من أسباب النصر، إذ جعلت أمة الإسلام تستيقظ وتتلاحم وتتآزر، وتعرف حقيقة العدو، وكيف يتربص بها وبدينها وقيمها، وستجعل فاصلاً واضحاً بين المسلم الحق وبين المتلبس بالإسلام، والإسلام منه بريء. فالمسلم الحق سيجد نفسه مضطراً للدفاع عن نبيه ورسوله، سيلتحم مع إخوانه في تغيير هذا المنكسر، وردع فاعله بكل وسائل الردع المتاحة له. المسلم الحق سيجهز نفسه للوقوف ضد من حارب الله ورسوله، سيبذل كل غال ونفيس في نصرة الإسلام والذود عن رسول الهدى والرحمة. والمتلبس بلباس الإسلام سيخنس خنوس الشيطان، سيجد سبيلاً إلى الصمت والرضا بهذا المنكر، وما قصه إسلام حمزة بن عبد المطلب بسبب استخفاف أبي جهل برسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا ببعيد.

  ولذا على كل فرد أن يعمل ما باستطاعته سواء لهذا الحدث أو غيره.

أيها المسلمون!

   والوقفة التاسعة وإن من أهم عوامل نصرة النبي صلى الله عليه وسلم العمل

على كلّ ما تكون به العناية بحقوق نبيّكم عليكم، وفي الطليعة من ذلك الاستمساكُ بسنته، والاهتداءُ بهديه، والتخلُّق بأخلاقه، والتحلّي بشمائله، والذود عن كلِّ ذلك بحكمة وعلم وروية وإخلاص.

   عباد الله:   إنّ الله تعالى قد أمركم بالصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المتقين ورحمة الله للعالمين، فقال سبحانه في الكتاب المبين: (إنَّ اللَّه وملائكته يُصلُّون على النَّبي يا أيُّها الذين آمنوا صلُّوا عليه وسلّمُوا تسليما) (الأحزاب: 56).