بحث عن بحث

واتبع سبيل من أناب إلي

   الحمد لله رب العالمين، القوي المتين، أحمده سبحانه وأشكره، أعز عباده المؤمنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وعد عباده بالنصر المبين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه  الغر الميامين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد:

أيها المسلمون ! في القرآن الكريم عبرة لمن اعتبر، ومُدَّكر لكل ذي لب وبصر، ومن ذلكم ما رسمه القرآن الكريم في أربع آيات من سورة القصص، حيث تحمل هاتين الصورتين منهجاً فريداً، تحمل معالم أخلاقية فريدة لأهم ركنين من أركان أمم الأرض قاطبة، ومن خلالهما يُعرف مدى قوة تلك الأمم وثباتها وتقدمها، أو ضعفها وتمزقها وتحللها، ألا وهما الشاب والفتاة، فقد أورد الله تعالى صورة للشاب المؤمن القوي العفيف، متمثلة في موسى عليه السلام، وهو في أرض مدين، وتقابلها صورة للفتاة المؤمنة العفيفة الطاهرة، التي تتحاشى مواطن الشبه والفتنة، متمثلة في امرأتين تسقيان أنعامهما وهما ابنتا شيخ كبير.

   يقول الله تعالى في بيان ذلك: ( ولمَّا ورد ماء مدين وجد عليه أمَّةً من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يُصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير. فسقى لهما ثم تولَّى إلى الظل فقال ربِّ إنِّي لما أنزلت إليَّ من خير فقير. فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إنَّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلمَّا جاءه وقصَّ عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين. قالت إحداهما يا أبت استأجره إنَّ خير من استأجرت القويُّ الأمين) [القصص: 23-26].

  فأما الصورة الأولى، فهو الشاب المؤمن، فقد سجلت الآيات مجموعة من المعاني والصفات التي ينبغي للشباب المسلم أن يتحلى بها، وعلى رأس هذه الصفات:

القوة والنشاط والحيوية ، حيث تحلى بها نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام، وهي ضرورة لا بد منها لكل شاب مؤمن، وتشمل هذه القوة هنا قوة الجسد وقوة الإيمان، وهكذا الشباب المسلم يسطر معنى القوة التي أكدها النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وغيره: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير".

   فالمؤمن صاحب الخيرية يقوى في عقيدته وإيمانه، وفي أخلاقه وسلوكه وفي إرادته وعزمه على الخير، وفي جسده، وهذه القوة يسخرها في سبل الخير ومجالات الفضيلة والأخلاق والبناء، لا في التدمير والتخريب والإفساد  أيا كان نوع هذا الإفساد ، سخرها نبي الله موسى عليه السلام ، فهو الشاب الطريد الهارب ، وهو في بلد الغربة على أرض مدين لا يعرف طباع الناس وعاداتهم، نراه لا يرضى لنفسه أن يراهم يسقون أنعامهم من الماء، ويحرم من ذلك امرأتان تمنعان من سقي الماء، فقد أبت مروءة موسى عليه السلام ونخوته أن يحدث هذا الخلل أمام عينيه، فسارع إليهما قائلاً : (ما خطبكما، قالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير) [القصص: 23] فسخر موسى قوته، وبذلها لنفع غيره .

والصفة الأخرى التي سطرتها الآيات لموسى عليه السلام صفة الأمانة، والأمانة من صفات المؤمنين شيوخاً وشباباً ، رجالاً ونساءً ، كما قال تعالى: ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) [المؤمنون: 8] ، وقد عُرف الرسول عليه الصلاة والسلام بين أهل مكة بـ "الصادق الأمين" فكان يضرب به المثل فـي الأمانة والوفاء، وبالأمانة تستقيم أمور الحياة، وتستقر أوضاعها، فإذا انعدمت الأمانة، وتفشت الخيانة، فإن مآل الناس سيكون إلى القلق والاضطراب في الأمور كلها، لأن فقدان الأمانة في الأمة يعني فقدان الثقة بين أبنائها، وهذا شر مستطير يفرز ألوان المآسي والفتن.

ومن الصفات أيضاً صفة الجدية والعزم الصادق، والإرادة الخيرية، فهو حينما رأى أمامه مشهداً ظالماً ، حيث يسقي الرجال دون النساء، فلم تمنعه متاعب السفر والخوف والملاحقة أن يرضخ أو ييأس من مناصرة الضعفاء، وهو المبدأ الذي آمن به، وأُخرج من أرضه وأهله من أجله، فليس ثمة قوة في الأرض تزعزع هذا اليقين الذي يفرض عليه العمل والجدية في جميع الأحوال والأزمان، هكذا الشاب الطموح جاد في عمله، وفي استغلال وقته، وفي توجيه قدراته وطاقاته نحو الخير والفائدة، والنفع لنفسه وأسرته ومجتمعه، هكذا يراد من الشاب لا أن يكون سهلاً ضائعاً يمضي عليه الليل والنهار في ترهات الأمور وسفاسفها.

   استمعوا- أيها الشباب!- إلى ما مضى علينا من النماذج الحية، فهؤلاء أصحاب الكهف، وهم فتية من المؤمنين خرجوا من أهلهم وديارهم، وهجروا مراتع المعاصي لتسلم لهم عقيدتهم، ويرضى عنهم ربهم، ولعظم شأنهم ومكانتهم خصّهم الله تعالى بتسمية سورة من القرآن باسمهم، يقول عنهم ربهم جل ثناؤه: (أم حسبت أنَّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربَّنا آتنا من لدنك رحمة وهيِّىء لنا من أمرنا رشداً) [الكهف: 9، 10].

   وسورة أخرى يسردها لنا ربنا -جل ثناؤه- في ذلك الشاب المؤمن الطاهـر والصبور، وهو نبي الله يوسف عليه السلام الذي صبر على ظلم إخوته، وصبر على ظُلمة الجب، وتحدى فتنة المرأة التي عرضت نفسها عليه، فيأبى أن يخون الله، ويخون الدار التي دخلها، والرجل الذي آواه، وبالتالي يفضل ظلمات السجن لبضع سنين على معصية الله تعالى في ظل ظليل، وعيش رغيد (قال ربِّ السِّجنُ أحبُّ إليَّ ممَّا يدعونني إليه وإلاَّ تصرف عنِّي كيدَهُنَّ أصب إليهنَّ وأكن من الجاهلين) [يوسف: 33].

أيها المسلمون!

   والشباب طاقة ونشاط، وقوة وحيوية، فإن لم يُستغل في الخير استُغل في ضده، وأعداؤنا لا يألون جهداً في استغلال شباب أمتنا في جميع الميادين، لتدمير طاقاتهم وقدراتهم، ونزع معالم الإيمان من صدورهم، وإبعادهم عن كتاب ربهم، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، حيث سخّر هؤلاء الأعداء جميع قواهم لإشغال شبابنا في خطين منحرفين، أولهما في سفاسف الأمور، فهذه وسائل الإعلام الغازية من كل جانب، والتي دخلت بيوت المسلمين قد شغلت الشباب بسفاسفها عن معالي الأمور، فهناك الكثيرون من هؤلاء الشباب يقضون الساعات الطوال أمام الفضائيات لمتابعة البرامج التافهة والخليعة التي تُخِلُّ بمكارم الأخلاق والآداب العامة، والتي تركز على تميع الشباب، وحصر اهتمامهم وتفكيرهم في الأغاني الماجنة والرقص المثير، واللبس وقصات الشعر وغيرها مما يندى لها جبين المؤمنين الغيارى.

   وفي خط آخر: في الغلو والنظر إلى الأشياء والحكم عليها من منظار ضيق حرج، أصاب الأمة في عقيدتها وأمنها.

أيها الشباب: الأمة بحاجة إلى طاقاتكم وقدراتكم، وبحاجة إلى أن تكونوا على مستوى المسؤولية، وأن تحافظوا على أوقاتكم، وتسخروها فيما ينفع دينكم ودنياكم، وأن تكونوا أقوياء وأمناء وجادين في حياتكم، كما كان نبي الله موسى عليه السلام حين أقبل إلى أرض مدين، فحافظوا على نعم الله عليكم من الصحة والعافية والوقت، واستعملوها في وجوه الخير المختلفة، وكونوا أيها الشباب نماذج يضرب بها الأمثال في الطهارة والعفة، والخوف من الله تعالى، ومراقبته سرّاً وجهاراً، كما كان شأن نبي الله يوسف عليه السلام، إن أمتكم بحاجة إليكم في كل شؤونها وأحوالها؛ تريد أمتكم ومجتمعكم شباباً جادين يتطلعون إلى القمم السامقة، ويترفعون عن سفاسف الأمور، وما تروجه وسائل الإعلام المتكالبة عليهم من هنا وهناك؛ ليتحلل الشاب من رجولته وشبابه وقوته، نريد شباباً تعي أحوال أمتها وتحاول إيجاد السبل المناسبة لإنقاذها مما يهددها على يد أعدائها من الداخل والخارج، نريد شباباً متعلماً يخوض أغوار العلوم المختلفة؛ في الشريعة والدعوة، والهندسة والطب، والفلك والعلوم وغيرها، نريد شباباً مؤمنين واثقين لا يحتكمون إلا إلى الله، ولا يعرفون شريعة إلى شريعة الله، نريد شباباً يعرفون قدرة علمائهم ومشايخهم وكبارهم، فيرجعون إليهم في الحوادث والنوازل ، نريد شباباً واعياً لا يغتر بادعاءات الببغاوات المستغربين الذين يرددون كل ما يسمعون من أعداء الأمة، ويطبلون على نغماتهم وأفكارهم.

        شباب ذللوا سبل المعالــي        وما عرفوا سوى الإسلام دينا

        تعهدهم فأنبتهم نباتــــاً    كريماً طاب في الدنيا غصونا

  فاتقوا الله أيها الشباب، ويا أولياء الشباب! سخروا هذا الشباب لتكونوا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، في السبعة الذين يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله: "وشاب نشأ في عبادة الله" .

  نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وسنة نبيه، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله.