بحث عن بحث

الخطبة الثانية

   الحمد لله نصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، أما بعد:

أيها المسلمون! ما سمعنا من تفريط بعض الناس في عمل اليوم والليلة وآثار ذلك الخطيرة عليهم، فإن له أسباباً منها: عمل المعاصي باستمرار وبلا مبالاة أو تحرز، ولا سيما صغائر الذنوب التي هانت على كثير من الناس، فيعاقب الإنسان بتفريطه، وبسبب مقارفته لتلك المعاصي، قال تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير) [الشورى: 30].

  سأل رجل الحسن رحمه الله قائلاً : يا أبا سعيد! إني أَبِيْتُ معافى، وأحب قيام الليل، وأعد طهوري، فما بالي لا أقوم؟ فقال: ذنوبُك قيدتْك. ويقول ابن القيِّم في آثار المعاصي: (ومنها حرمان الطاعة، فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أن يصد عن طاعة تكون بدله، وتقطع طريق طاعة أخرى، فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها، وهذا كالرجل أكل أكلة أوجبت له مرضة طويلة، فمنعته من عدة أكلات أطيب منها).

   ومن أسباب التفريط في عمل اليوم والليلة: عدم إدراك قيمة النعم وسبيل دوامها، فمن سبل دوامها شكرها، ومن شكرها المواظبة على عمل اليوم والليلة من العبادات والطاعات، قال تعالى:(لئن شكرتم لأزيدنكم) [إبراهيم: 7]، ومن الأسباب أيضاً الغفلة عن الحاجة إلى عمل اليوم والليلة، فإن من غفل عن الله وَكَلَهُ إلى حوله وقوته، ومن وُكِلَ إلى ذلك، فقد وُكِلَ إلى ضعف وخَوَرٍ، ومن عرف الحاجة إلى ذلك العمل، وعمل به كان معه، كما في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه..) الحديث.

  ومن الأسباب أيضاً التوسع في المباحات من الطعام والشراب واللباس والمراكب، فإن العبد إذا أكل كثيراً شرب كثيراً، فنام كثيراً فاته خير كثير، فيتحسر عند الموت، وعلى آخرته كثيراً ، فضلاً عن الاشتغال بالملهيات والسهر على ما لا فائدة فيه.

  ومن أسباب ذلك نسيان الموت وما بعده من أهوال وشدائد، فإن من لها في هذه الدنيا، ونسي الموت وسكرته، والقبر وضَمَّتَه، والحشر ووحشته، والنشر والحساب، غفل عن أعمال يومه وليلته، ولذلك حث الرسول صلى الله عليه وسلم على تذكر الموت، فقال:(أكثروا من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات).ومــــن الأسباب الاكتفاء بالقليل من الأعمال، أو الإعجاب فيها، أو استكثارها، وهؤلاء غرتهم الحياة الدنيا، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) ، ومن أعظم الأسباب أيضاً التسويف بأن يؤجل عمل اليوم إلى الغد، حتى تتراكم عليه الأعمال، وتشغله، ويلهو عن الصالحات، يقول صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداًً ، أو موتاً مُجهزاً، أو الدجال، فشر غائب يُنتظر، أو الساعة؟ فالساعة أدهى وأمر.

   فاتقوا الله، عباد الله، واجتنبوا هذه الأسباب؛ ليرضى عنكم رب الأرباب، ومسبب الأسباب، وصلوا وسلموا على خيرته من خلقه، محمد صلى الله عليه وآله وسلم. كما أمركم الله جل وعلا بقوله: (إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً).