بحث عن بحث

الخطبة الثانية

   الحمد لله الذي وعد بالخير والفضل من اتقاه، وتفضل بقبول من دعاه، أحمده سبحانه على فضله، وأشكره على نعمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله خير الناس وأتقاهم، وسيد المتقين والأبرار، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الأخيار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وعلى منهاجهم اقتفى وسار.

   أما بعد: التقوى بالمعنى الذي سمعناه تضفي على صاحبها آثاراً عظيمة في الدنيا والآخرة، بل تضفي على المجتمع بكامله آثاراً لو تدبرها الناس لتسابقوا إلى فهمها وتطبيقها.

   التقوى سبب لتيسير أمور الإنسان بقوله تعالى: ( ومن يتَّق الله يجعل له من أمره يُسراً) [الطلاق: 4] وقال تعالى: (فأمَّا من أعطى واتَّقى وصدَّق بالحسنى فسنيسِّره لليسرى) [الليل: 5-7].

   التقوى سبب لفتح البركات من السماء والأرض، وحصول الأرزاق على الفرد المتقي، والمجتمع المتقي، يقول سبحانه: (ولو أنَّ أهل القرى آمنوا واتَّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) [الأعراف: 96]. ويقول سبحانه:(ومن يتَّق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) [الطلاق: 2، 3].

   والتقوى سبب للتوفيق في الحياة، يقول سبحانه: (يا أيُّها الذين آمنوا إن تتَّقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويُكفِّر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم) [الأنفال: 29]. ويقول: (يا أيُّها الذين آمنوا اتَّقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم) [الحديد: 28].

   والتقوى سبب لنيل ولاية الله، فأولياء الله هم المتقون، (إن أولياؤه إلا المتقون) [الأنفال: 34] .

   والتقوى عامل قوي لعدم الخوف من كيد الكائدين، وضرر الكافرين، يقول

تعالى: ( ألا ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) [يونس: 62].

   والتقوى سبب لنيل العلم وتحصيله وحصول بركته، يقول سبحانه: (واتقوا الله ويعلمكم الله) [البقرة: 282].

   والتقوى موصلة إلى رحمة الله في الدنيا قبل الآخرة، يقول تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبُها لِلَّذين يتَّقُون ويُؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون) [الأعراف: 156].

   وأهل التقوى تحصل لهم البشرى والاطمئنان في الحياة الدنيا سواء بالرؤيا الصالحة، أو بمحبة الناس لهم، والثناء عليهم، يقول تعالى: (الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا والآخرة) [يونس: 64].

أيها المسلمون!

   ومن ثمار التقوى في الآخرة، وما أكثرها! أنها سبب للفوز والفلاح، والنجاة يوم القيامة من عذاب الله تعالى: يقول جل وعلا: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [الحجرات: 13] ويقول: (ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتَّقه فأولئك هم الفائزون) [النور: 52] ، ويقول جل شأنه: (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً، ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً) [مريم: 71-72].

   والمتقون هم الذين تقبل أعمالهم، ويرثون الجنة التي أعدت لهم، يقول سبحانـه: ( إنما يتقبَّل الله من المتقين) [المائدة : 27] ، ويقول : (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً) [مريم: 63]، ويقول : (لكن الذين اتَّقوا ربَّهم لهم غُرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد) [الزمر: 20] ويقول: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) [آل عمران: 133].

   وبالتقوى- عباد الله- تكفر السيئات وتمحى الذنوب، وتغفر الزلات، وترفع الدرجات، يقول تعالى: ( ومن يتَّق الله يُكفِّر عنه سيئاته ويعظم له أجراً) [الطلاق: 5] ، ويقول جل وعلا: ( ولو أنَّ أهل الكتاب آمنوا واتَّقوا لكفَّرنا عنهم سيئاتهم) [المائدة : 65].

أيها المسلمون!

    هذا شيء من ثمرات التقوى وآثارها في الدنيا والآخرة، فحري بنا أن نسارع لنكون من المتقين، أن نتقي الله تعالى في كل شأن من شؤون حياتنا في بيوتنا وطرقاتنا، في وظائفنا، وأثناء أداء أعمالنا، في أخلاقنا وبيعنا وشرائنا، في جوارحنا وقوانا.

   فالمسؤول أياً كانت مسؤوليته عليه أن يتقي الله تعالى في مسؤوليته وما أسند إليه من تكاليف، يراعي العدل، ويخشى الله، والموظف والعامل عليه بتقوى الله في أداء وظيفته وعمله، يراعى ما كلف به، وما اؤتمن عليه، والوالد والأم في تربيتهما لأولادهما ورعاية مسؤوليتهما، والمعلم والمربي أن يتقى الله تعالى في أسلوب تعليمه ومادته العلمية وتربيته لطلابه، وكل فرد عليه أن يتقي الله فيما أنعم عليه من الجوارح ، فلا يوردها من حرام، ولا يصرفها في حرام.

   اتقوا الله- عباد الله – واقتدوا بنبيكم وإمامكم وقدوتكم، وصلوا عليه وسلموا كما أمركم الله جل وعلا بقوله: (إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).