بحث عن بحث

الخطبة الثانية

   الحمدلله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد :

عباد الله!

   لقد جاءت الشريعة بتحريم كل ضار وخبيث، قال الله جل وعلا: (ويُحِلُّ لهمُ الطَّيِّبات ويُحرِّمُ عليهمُ الخبائثُ) (الأعراف: 157)، فمن المكاسب الخبيثة: الاتّجار بالمحرّمات التي حرّمها الشرع، من خمور ومخدّرات ودخان، وكل مسكر ومفتر، وكذلك آلات اللهو والمزامير، والأجهزة المفسدة والمضيعة للأموال بغير حق، من كل ضار وخبيث، وفي هذا بيان لشمول الشريعة وإحاطتها بكل ما تصلح به حياة الناس، روى مسلم من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرَّ ما يعلمه لهم".

   وصدق المولى الجليل إذ يقول سبحانه: (اليومَ أكملتُ لكُمْ دينَكُمْ وأتممتُ عليكم نِعمتي ورضِيتُ لكُمُ الإسلامَ ديناً) (المائدة : 3).

عباد الله!

   كم من محن وإحن وبغضاء وشحناء تخلّفها المعاملات المحرمة في النفوس تجّلي لنا حكمة الشرع القويم في منعه لها، ورعايته لمصالح الناس؛ حتى لا يستأثر أولو القوة والمكر والتحايل على حقوق غيرهم، وحتى يسود المعروف بين الناس.

 قال الله جل وعلا مادحاً متبعي الشرع الحكيم فيما أتى به من تحليــل الطيبات وتحريم الخبيث: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْـلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّـذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ). (الأعراف : 157).

   وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ( يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا من الطَّيِّباتِ) (المؤمنون: 51) ، وقال : ( يا أيُّها الّذين آمنُوا كُلُوا من طيِّباتِ ما رزقناكم) (البقرة: 172) ، ثم ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك

   واعلموا- عباد الله - أن هذا المال من أفضل ما تتقربون به إلى مولاكم وتسارعون به في الخيرات، متى أخلصتم النية، وتحريتم سبل مرضاة الله فيه، قال الله جل وعلا في آيات كريمات متتاليات تضيء طريق الإنفاق في سبيل الله تعالى أمام المسلم، في بيان فضله الكبير، والتحذير مما يفسده:

(مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * ومِن أعظم ما ينتفع به المؤمنون الإنفاقُ في سبيل الله. ومثل المؤمنين الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة زُرِعتْ في أرض طيبة, فإذا بها قد أخرجت ساقًا تشعب منها سبع شعب, لكل واحدة سنبلة, في كل سنبلة مائة حبة. والله يضاعف الأجر لمن يشاء, بحسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان والإخلاص التام. وفضل الله واسع, وهو سبحانه عليم بمن يستحقه, مطلع على نيات عباده.

الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّـاً وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ قَــوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ) (البقرة: 261-263).

   وأرشد رسول الهدى صلى الله عليه وسلم إلى ما يتضاعف به أجر الإنفاق في سبيل الله، روى أحمد، والترمذي، والنسائي، عن سلمان بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان : صدقة وصلة"  .

   وصح عن أبي هريرة أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أربعة دنانير: دينار أعطيته مسكيناً، ودينار أعطيته في رقبة، ودينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته على أهلك، أفضلها الذي أنفقته على أهلك" .

   فاتّقوا الله -عباد الله - في معاملاتكم ومطاعمكم ومكاسبكم، واحذروا كل مكسب خبيث، واطلبوا الرزق من الأبواب الطيبة التي أحلها الله تعالى لكم، واصرفوه في المصارف الشرعية التي شرحها الله جل وعلا، ثم صلوا وسلموا على رسول الله كما أمركم الله جل وعلا في كتابه الكريم حيث قال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي...).