بحث عن بحث

الخطبة الثانية

   الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

   وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها المسلمون! هذا هو الداء المَرَضي.. قلق يغشى النفس ويكدر صفوها، مظاهره حزن على فائت فات ومضى، أو خوف على مستقبل في علم الغيب لا يعلمه إلا الله.

   لكنَّ هناك بوناً شاسعاً بين الهم الجالب للاغتمام، وبين الهمة العالية التي تدفع المرء للتفكير في الاستفادة من ماضيه، والتخطيط لمستقبله، أو حزن لارتكاب منكر، أو مشكلة وضائقة حلّت به. فإذا كان هذا هو ما يحس به المرء، فهو على خير بإذن الله.

   وكذلك ما هو عرضي يمر على سائر البشر، ومنهم الأنبياء والمرسلون، كالحزن على مصيبة دون استمرار هذا الحزن وملازمته للإنسان، حتى يصير ظاهراً عليه.

  أما القلق المؤذي للنفس، والمسبب للاضطراب وعدم الاستقرار والطمأنينة، والمقعد عن العمل والعبادة والقيام بالحقوق والواجبات؛ فهو الداء العضال الذي يجب أن يبادر بالعلاج قبل أن يستحكم ويفضي إلى ما لا تحمد عقباه.

   وهو ما يعيشه كثير من الناس اليوم، حتى استولى على حياتهم، وأقعدهم عن كثير من مناشطهم، وأصبح وسيلة لأمراض أخرى كالاكتئاب والشك والوسواس وانفصام الشخصية، والحنق على النفس والمجتمع، واستيلاء الغيرة والغضب على نفسه وأسرته والناس، فصار همّه التردد علــــى

المستشفيات النفسية والرُقاة، وأخطر من ذلك التردد على الكهّان والمشعوذين.

أيها المسلمون! إن هذا القلق هو الذي يجب المبادرة إلى الوقاية منه، وإلى علاجه عند وقوعه.

   ومن أهم وسائل الوقاية والعلاج: تنمية شعيرة التوكل على الله والثقة به، والرضـا بقضائه فيما قدر وقضى، والمؤمن مع ذلك يدافع البلاء بالدعاء، فلا يـرد القضاء إلا الدعاء، كما في الحديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم.

   ومن أسباب العلاج العظيمة كذلك: اللجوء إلى الله بالعبادة في أوقات القلق والكرب، كما جاء في الحديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة . فليلجأ المسلم إلى ربه معتصماً به، عابداً وداعياً؛ فيطمئن قلبه ويهدأ روعه (ألا بذكر الله تطمئنُّ القُلوب). (الرعد: 28).

   ومن أهم الوسائل: كثرة الاستغفار والتوبة، فكثير من أسباب البلاء ما جاءت إلا بذنب، ولا ترفع إلا بالتوبة، قال تعالى: (وما كان الله مُعذِّبهُمْ وهم يستغفرون) (الأنفال: 33).

   قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة " . ومـن الوسائل المهمة يا عباد الله: نبذ العـداوة والشحناء، وتنظيف القلب من الحسد والبغضاء، وعدم التطلع ومد العين لما لدى الآخرين، قال الله جل وعلا: ( ولاَ تمُدَّنَّ عينيك إلى ما متَّعنا به أزوجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزقُ رَبِّكَ خيرٌ وأبقى). (طه: 131).

  وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم" (رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه)  .

   فهذه النصوص الكريمة تشير على أن القناعة وسلامة الصدر من أعظم ما يسعد به الإنسان ويطيب نفساً، وينشرح صدراً في هذه الحياة الدنيا، فكل متاعها إلى زوال (وإنَّ الدَّارَ الآخِرة لَهِيَ الحيوان) (العنكبوت: 64) أي الحياة الكاملة الحقيقية. فعلام يجزع الإنسان لما لم يُقسم له من متاع فان؟!  ولماذا يحسد غيره حتى يأكله الحسد والحقد، ولا يعلم هذا أن هذا الحسد اعتراض على الله تعالى في قدره وقضائه؟ !

ألا قل  لمن كان لي حاسداً                     أتدري  على من أسأت الأدب

أسأت على الله في حكمـه                      لأنك لم ترض لي ما وهـب

  فعلى المسلم أن ينظف قلبه من هذه الأمراض القلبية التي تورثه أمراضاً أخرى.

  ومن العلاج أيضاً : كثرة ذكر الله تعالى؛ فبالذكر تسكن القلوب وتنشرح الصدور (ألا بذِكرِ اللَّهِ تطمئنُّ القُلُوب) (الرعد: 28) سواء كان هذا الذكر قرآناً يتلى، أو ثناء على الله، أو دعاء وتوسلاً به جل وعلا.

أيها المسلمون!

   الوسائل لعلاج القلق كثيرة، بل إنها أسباب الوقاية منه في الأساس لمـن ثم يُقال لمن أصيب بشيء من ذلك واستمر معه مع عمله بما ذكر من العلاج: لا مانع من التطبب بالرقية الشرعية عند الموثوق بعلمهم وديانتهم، أو عند الأطباء الموثوقين بعلمهم الطبي وديانتهم.

  والحذرَ الحذرَ من اتباع المشعوذين والسحرة والدّجالين، فإنهم لا يزيدون المريض إلا مرضاً، والواهن إلا وهناً، والمصاب إلا مصيبة، وبُعداً عن ربه.

   أسأل الله تعالى أن يحفظنا بالإسلام والإيمان والقرآن، وأن يحفظنا من وساوس الشيطان، ومن شر شياطين الإنس والجان، ثم صلوا وسلموا على رسول الله كما أمركم الله جل وعلا في محكم التنزيل حيث قال: (إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً).