بحث عن بحث

الخطبة الثانية

   الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده، ورسوله النبي الكريم، والرسول الأمين، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه الطيبين الطاهرين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً... أما بعد :

أيها المؤمنون! توبوا إلى الله عز وجل قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وَصِلُوا الذي بينكم، وبين ربكم تُؤجروا، وتُحمدوا، وتُرزقوا، واعلموا أن الله عز وجل قد فرض عليكم الجمعة، فريضة مكتوبة إلى يوم القيامة من وجد إليها سبيلاً، فمن تركها جحوداً بها، أو استخفافاً بها، فلا جمع الله شمله، ولا بارك في أمره، ويخشى عليه من العقوبة الشديدة في الدنيا، والآخرة.

عباد الله ! (احضروا الجمعة، وادنوا من الإمام)، فإن منازلكم في الجنة على مثل صفوفكم من الجمعة، " وإن الرجل ليتخلف عن الجمعة، حتى إنه ليتخلف عن الجنة ، فبكروا إلى الجمعة تكتبوا عند الله من السابقين، فقد ثبت في الصحيحين  عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: "إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول، فالأول، ومَثَلُ المهجِّر – يعني المبكر- كمثل الذي يُهدي بدَنَةً، ثم كالذي يُهدي بقرةً، ثم كبشاً، ثم دجاجةً، ثم بيضةً، فإذا خرج الإمام طووا صُحُفهم، ويستمعون الذكر".

أيها المسلمون!

    إن من المؤسف جداً أن نرى كثيراً من المسلمين لا يقيم ليوم الجمعة، ولا لصلاتها وزناً، فجعل هذا اليوم يوماً للهو، والعبث، فتراه يسهر ليلة الجمعة على الملهيات عند التلفاز، أو الفيديو، أو لعبة الورق، أو الخروج إلى البـراري إلى ساعات متأخرة من الليل، ثم ينام، فيخيم عليه الشيطان، فتفوته صلاة الفجر، ولا يستيقظ إلا عند صلاة الجمعة، فيأتي إليها يلهث من غير استعداد نفسي، وقد دخل الإمام يخطب الجمعة، وفاته ذلك الفضل العظيم.

   زد على ذلك كثيراً أن أجهزة الإعلام وبالذات الفضائيات تركز على برامج ليلة الجمعة؛ فلا تنتهي تلك البرامج إلا في ساعة متأخرة من الليل لتساعد الناس على لهوهم وغيهم، والرسول، صلى الله عليه وسلم، وصحابته يتنافسون آخر الليل في الصلاة، والقيام، والتهجد، وقراءة القرآن، وشبابنا، وشاباتنا يتنافسون في متابعة المسلسلات تلك الليلة، ليناموا بعدها إلى صلاة الجمعة، إنها حالة مؤسفة يندى لها جبين المسلم، فكم يضيع هذا المسكين من وقت؟ وكم فاته من الأجر؟ وكم حصل من الإثم؟ والله إن الموتى في قبورهم يتمنون تسبيحة، أو تكبيرة، أو تهليلة، أو ركعتين يصلونها أو غيرها من الطاعات، ولكن هيهات، وهذا يلعب بوقته، ويضيعه فيما حرم الله، ويفوت على نفسه الأجر، والثواب.

    إن المساجد يوم الجمعة تشتكي إلى الله من الجفاء الذي تبدَّى عن كثير من المسلمين، يدخل الإمام يوم الجمعة، ولا يجد إلا نفراً قليلاً، وإذا سلم من الصلاة وجد صفوفاً متراصة؟ أين هؤلاء قبل الصلاة؟ أزهداً في الأجر يا عباد الله! أم عدم مبالاة في أوامر الله؟!!

عباد الله:

  إذا دخل أحدكم المسجد يوم الجمعة، فلا يجلـس حتـى يصلي ركعتين،

لمـا في الصحيحين  ، عن أبي قتادة، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: "إذا دخل أحدكم المسجد يوم الجمعة، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين".

   ولو دخل أحد، والمؤذن يؤذن الأذان الأخير للجمعة، فإن المشروع في حقه أن يشرع في الركعتين، ولا ينتظر حتى يفرغ المؤذن، حتى يتهيأ لاستماع الخطبة؛ لأن استماع الخطبة مقدم على إجابة المؤذن، وإياكم أن تشغلوا أيديكم حال الخطبة بلمس الأرض أو العبث بالفرش، أو نحوها، فإن هذا مما يَحْرِم الرجل فضل الجمعة، فقد روى مسلم في صحيحه  ، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله، صلى الله عليه، وسلم أنه قال: (ومن مس الحصى، فقد لغا).

    وكذلك من اللغو أن تتحدث مع غير الإمام، ولو على سبيل الإرشاد، لما في الصحيحين (3) ، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت). وإياكم، وتخطي رقاب الناس دون أن تروا مكاناً خالياً، فإن ذلك يعرض الإنسان المسلم لتحصيل الإثم، وفوات الأجر، فقد رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، رجلاً يتخطى رقاب الناس، فقال له: "إجلس قد آذيت وآنيت- يعني قصرت".

أيها المسلمون!

   اعلموا أنه "يحضر الجمعة ثلاثة ، رجل حضرها بلغو، وهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو، فهو رجل دعا الله، عز وجل، إن شاء الله أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات، وسكوت، ولم يتخطَّ رقبة مسلم، ولم يؤذ أحداً، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله، تعالى عز وجل، يقول: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)[الأنعام: 160].

    هذا، وأكثروا من الصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، فإن للصلاة عليه في يوم الجمعة فضلاً كثيراً، وأجراً كبيراً، فعن أوس، رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ). (3)

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على رسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.