بحث عن بحث

الموضوع التاسع عشر:

التعامل مع الكفار

عن أسماء بنت أبي بكر م قالت: «أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم  فَسَأَلْتُ النبي صلى الله عليه وسلم  آصِلُهَا قَالَ نَعَمْ قالَ ابنُ عُيَيْنَةَ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهَا لا يَنْهَاكُم اللهُ عَن الَّذِينَ لَـمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ».

وعن عبد الله بن عمرو م عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَـمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا».

©  أهمية الحديثين:

يسمو الإسلام بنظامه وتشريعاته سموًا عجيبًا يصل إلى إعطاء غير المسلمين حقوقًا له يتعامل معه في ضوئها، ولأهمية ذلك جاءت النصوص الشرعية بتنظيم هذا الأمر الدقيق.

©  توجيهات الحديثين:

الناس في هذه الحياة بين صنفين لا ثالث لهما إما مسلمون يدينون بدين الإسلام، وإما كفار لا يدينون بدين الإسلام على اختلاف مللهم ومذاهبهم.

فالمسلمون قد عرفنا حقوق بعضهم لبعض.

والكفار بالنسبة للحقوق لهم ينقسمون قسمين:

إما كافر محارب للمسلمين، وهم الذين نصبوا العداء والحرب ضد المسلمين، وهذا لا حقوق له، وإما غير محارب كالمعاهدين الذين بينهم وبين المسلمين عهد وذمة، وضع الإسلام لهم حقوقًا يجب أن يتعامل معهم في ضوئها.

من أهم الواجبات على المسلم تجاه الكفار أن يعرف بأنهم كفار لا يقرهم على كفرهم، ولا يرضى به، ويبغضهم لكفرهم، قال سبحانه وتعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 28]، ويتعامل معهم على هذا الأساس.

من حقوق الكفار – كما أشار إليه الحديث الثاني – كف الأذى... وعدم التعدي عليهم بأي صورة من صور الإيذاء والتعدي، سواء كان أذى قوليًّا كالسب والشتم ورمي العرض ونحو ذلك، أو أذى فعليًّا كالضرب أو الاعتداء الجسدي، وسواء كان أذى فرديًّا أو جماعيًّا. وإذا كان الأذى بالقول محرمًا فما بالك إذا كان أذى فعليًّا أو جماعيًّا أو بالتخويف والتهديد.

لذلك جاءت صورة النهي عن هذا الإيذاء واضحة قوية صريحة في الحديث الثاني، والله سبحانه حرَّم الظلم والغدر والخيانة تجاه أي شخص سواء كان مسلمًا أو كافرًا.

ومن حقوقهم التزام أصول الأخلاق الإسلامية في التعامل معهم من الصدق والأمانة، والعدل والإنصاف، والتخاطب الحسن، والرحمة في مواضعها الشرعية، وغيرها، قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83].

ومن المعلوم أن التعامل بالحسنى يختلف عن الموالاة والمحبة، فتلك في الظاهر وهي مطلوبة، وهذه في القلب وهي ممنوعة: ومن الخطأ الخلط بينهما.

ومن حقوقهم: جواز إيصال البر والمعروف الإنساني إليهم سواء على سبيل الهدية، أو الإغاثة، أو حتى على سبيل الصدقة المستحبة، وبخاصة إذا كان يرجى إسلام هذا الكافر. وهذا ما دل عليه حديث أسماء ك فأوصاها النبي صلى الله عليه وسلم  بصلة أمها. وقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8].

ومن حقوقهم دعوتهم إلى دين الله تعالى للدخول فيه، وذلك بالوسائل الشرعية، والأساليب المناسبة المحببة إلى النفوس.

ودعوتهم من أفضل الأعمال، وأحسن الأقوال، وأكثرها أجرًا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت: 33]، وقال عليه الصلاة والسلام – فيما رواه مسلم وغيره -: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِن الأجْرِ مِثْلُ أجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شيئًا»، وقال عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : «لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ».