بحث عن بحث

الموضوع الرابع عشر:

بر الوالدين والنهي عن عقوقهما

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه  قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم : «أيُّ الْعَمَلِِ أَحَبُّ إِلَى الله قَالَ الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا قَالَ ثُمَّ أيٌّ قَالَ ثُمَّ برُّ الْوَالِدَيْنِ قَالَ ثُمَّ أيٌّ قَالَ الْـجِهَادُ فِي سَبِيْلِ الله قَالَ حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «رَغِمَ أنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ قِيلَ مَنْ يَا رَسُولَ الله قَالَ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كَلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُل الجنَّةَ».

©  أهمية الحديثين:

للحديثين أهمية كبرى، لأنهما يتحدثان عما يتصل بأهم الحقوق على الإنسان بعد حق الله تعالى، فيصبران الإنسان بما يجب عليه من حقوق تجاه والديه، وبما يجب عليه أن يحذر منه.

©  توجيهات الحديثين:

1-   الوالدان – الأم والأب – حقهما عظيم والواجب تجاههما كبير، فالله سبحانه وتعالى قرن حقهما بحقه تعالى في مواضع من كتابه قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23]. وقال سبحانه: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [النساء: 36].

ولا غرابة في عظم حقهما، فالأم تحملت آلام الحمل والولادة، والرضاع وسهر الليل وتعب النهار، تقوم بحملها مثقلة، وتقعد به مثقلة، تضيق في أول الحمل بالطعام والشراب أحشاؤها، وتضيق عند الوضع أعضاؤها، وتجوع ليشبع وليدها، وتسهر لينام فلذة كبدها، وتتعب ليستريح، وتترك كثيرًا مما تشتيه خشية أن يتغير لبنها، يرقص قلبها فرحًا إذا ضحك وليدها، وترى الحياة كلها نورًا وجمالًا وهي تراه يلعب مع الصبيان، وتحزن حزنًا شديدًا إذا أصيب بوعكة، وهكذا تعيش له ومعه وهي تنتظر الأيام الحاسمة في حياتها حين ينجح ويكسب ويتزوج.

والأب – حاله لا تخفى – يتعب ويفني حياته وجهده ووقته ليُحَصِّل لقمة العيش لأولاده، يتابع نموهم، ويقوم على تربيتهم، وينتظر الساعة التي ينظر فيها إليهم رجالًا كبارًا تقر عينه بهم.

2-   لقد أوجب الحديثان البر بالوالدين، ومن البر بذل المعروف والإحسان إليهما بالقول والفعل والمال، فالإحسان بالقول: مخاطبتهما باللين واللطف، ومستصحبًا كل لفظ طيب، يدل على اللين والتكريم، ومن البر الدعاء لهما بالتوفيق والصحة والعافية، والمغفرة والرحمة ودخول الجنان، والإحسان بالفعل: خدمتهما بالبدن وقضاء حوائجهما ومساعدتهما في شؤونهما، وتيسير أمورهما، وطاعتهما في غير معصية الله. والإحسان بالمال: أن يبذل الولد لوالديه من ماله كل ما يحتاجان إليه طيبة به نفسه، منشرحًا به صدره، غير متبع له بمنة ولا أذى؛ بل يبذله الولد وهو يرى أن المنة لهما في ذلك في قبوله والانتفاع به.

3-   من البر بالوالدين: الحرص على نصحهما وطلب هدايتهما بالحكمة والقول اللين واللطف في المخاطبة، وتحري ذلك مهما كان رد فعلهما قال تعالى عن إبراهيم÷: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴿42 يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ﴿43 يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴿44 يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ﴾ [مريم: 42 – 45].

4-   من برِّ الوالدين البر بهما بعد موتهما كما هو في حياتهما، ومن بر الوالدين بعد الممات: الاستغفار لهما والدعاء بالرحمة والعفو ودخول الجنة والنجاة من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، وإجراء صدقة لهما.

جاء في الحديث الصحيح: «إذا ماتَ الإنسانُ انْقطع عنه عملُهُ إلا من ثلاثٍ: صدقةٌ جاريةٌ، وعلمٌ يُنتفعُ به، وولدٌ صالحٌ يدعُو لهُ».

فعن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله عنه  قال بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: «يا رسول الله هَلْ بقي مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شيءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا قَالَ نَعَمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا وَالْاِسْتِغْفَارُ لَـهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيْقِهِمَا».

5-   بر الوالدين يثمر ثمارًا يانعة، ويورث آثارًا حسنة في الدنيا والآخرة منها:

أ – أنها سبب لرضا الله تعالى، روى الترمذي عن ابن عمرو م أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «رِضَى الرَّبِّ فِي رِضَى الْوَالِدِ وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ».

ب- بر الوالدين سبب لدخول الجنة عن عائشة رضي الله عنها   قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «دَخَلْتُ الْجـَنَّةَ فَسَمِعْتُ فِيهَا قِرَاءَةً قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ كَذَاكُم الْبِرُّ كَذَاكُم الْبِرُّ».

ج- بر الوالدين سبب لبركة الرزق والعمر جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «مَنْ أحبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». وأقرب الرحم: الوالدان.

6-   يفيد الحديثان التحذير الشديد من عقوق الوالدين، والمراد بالعقوق: كل ما يؤذي الوالدين من القول أو الفعل.

7-   وعقوق الوالدين من أكبر الكبائر كما روى أبو بكر رضي الله عنه  عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «أَلَا أنُبِّئُكم بِأَكْبَرِِ الْكَبَائِرِِ ثَلَاثًا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ الله قَالَ: الإِشْرَاكُ بِالله وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ...».

وعقوق الوالدين سبب للحرمان من دخول الجنة كما في حديث الباب، وروى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «ثلاثةٌ قَدْ حرَّمَ الله عليهم الجنة مُدْمِنُ الْـخَمْرِِ وَالْعَاقُّ وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ في أَهْلِهِ الْـخَبَثَ».

وعقوق الوالدين سبب لتعجيل عقوبة العاق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كُلُّ الذُّنُوبِِ يَغْفِرُ الله مِنْهَا مَا شَاءَ إِلَّا عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ فَإنَّه يُعَجّلُ لِصَاحِبِه قَبْلَ الْـمَمَاتِ».

والقول مثل: سبهما وشتمهما وإصدار ما يؤذيهما من الكلام، ورفع الصوت عليهما، والفعل مثل: عدم تلبية طلباتهما، وعدم القيام بحاجتهما، أو عمل ما يؤذيهما.