بحث عن بحث

الموضوع الرابع:

فضل السنن الرواتب وقيام الليل وصلاة الوتر

عن أم حبيبة رضي الله عنها   قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «مَنْ صَلَّى اثنتي عَشْرَةَ رَكْعَةً في يومٍ وليلةٍ بُنِيَ لَهُ بهنَّ بَيْتٌ في الجَنَّةِ قالتْ أُمُّ حَبِيبةَ فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «رَحِمَ الله رَجُلا قامَ مِن الليلِ فصَلَّى وأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ فإنْ أَبَتْ رَشَّ فِي وَجْهِهَا الماءَ رَحِمَ الله امْرَأَةً قامَتْ مِن الليل فصلَّتْ وأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى فَإِنْ أَبَى رَشَّتْ فِي وَجْهِهِ الْـمَاءَ».

وعن عبد الله بن عمر م قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اجْعَلُوا آخِر صلاتكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا».

©  أهمية هذه الأحاديث:

هذه الأحاديث تتحدث عن شيء من فضل الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة حيث شرع لها هذه الأعمال التي تزيد في حسناتها وتنقص من سيئاتها وتجبر ما نقص من فرائضها كما سيأتي تفصيله.

©  مسائل الأحاديث:

1-   خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وكلفه بتكاليف شرعية، وهذه التكاليف نوعان:

الأول: تكاليف واجبة يثاب العبد إذا فعلها وواظب عليها، ويعاقب إذا تركها أو تهاون بها.

الثاني: تكاليف مستحبة ندب الله سبحانه وتعالى إلى فعلها وحث عليها، ويثيب فاعلها ولكن لا يعاقب على تركها.

والصلوات المذكورة في هذه الأحاديث من النوع الثاني التي يثاب العبد على فعلها ولا يعاقب على تركها فضلًا من الله تعالى ومنَّةً وتكرَّمًا.

2-   ومن فضل الله سبحانه وتعالى أن نوّع هذه الصلوات ليستطيع كل إنسان أن يعمل بما يلائمه منها، والموافق من يحرص عليها كلها لتزداد حسناته وتكفر سيئاته.

3-   القسم الأول من هذه النوافل ما دلَّ عليه الحديث الأول، وهو الترغيب في صلوات الرواتب، وعددها ثِنْتَا عشرة ركعة. وهي كالآتي:

ثنتان قبل صلاة الفجر، وأربع قبل الظهر، وثنتان بعد الظهر، وثنتان بعد المغرب، وثنتان بعد العشاء.

فمن واظب على هذه الصلوات بنى الله له بيتًا في الجنة كما هو نص الحديث.

والرسول صلى الله عليه وسلم  كان يواظب على هذه الصلوات في إقامته، أما في سفره فكان يواظب على ركعتي الفجر والوتر كما سيأتي.

4-   قد رغَّبَ الرسول صلى الله عليه وسلم  في النوافل في أحاديث كثيرة منها ما روته عائشة رضي الله عنها   عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ من الدنيا وما فيها». وعن أم حبيبة رضي الله عنها   قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وأربعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ الله على النَّارِ».

5-   والقسم الثاني وهو ما دلَّ عليه الحديث الثاني والثالث: وهو الترغيب في قيام الليل وصلاة الوتر.

وصلاة الليل جاء التنويه بها في كتاب الله تعالى، وذلك لأهميتها وعظم شأنها قال جل وعلا في بيان صفة المؤمنين الصادقين: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿16 فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 16- 17].

ويقول أيضًا: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿17 وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: 17 – 18].

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم  فيما رواه أبو هريرة عنه: «أَفْضَلُ الصلاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ».

والمتأمل في صلاة الليل يجد لها طعمًا خاصًّا، حيث هدأة الليل وسكونه وخلو القلب والفكر من مشاغل النهار، ورجوع المسلم إلى نفسه، فهذه عوامل مهمة في حضور القلب وخشوعه وقربه من مولاه في هذه الصلوات.

6-   وصلاة الوتر جاء التأكيد عليها بخاصة، فعن علي رضي الله عنه  أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا أهل القرآن أَوْتِرُوا فَإِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ»، وروى عن بريدة رضي الله عنه  قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «الْوتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَـمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا قَالَـهَا ثَلاثًا».

ولهذا ينبغي للمسلم أن يحافظ على هذا الوتر في سفره وحضره كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يفعله.

وأقل الوتر ركعة واحدة، وأكثره إحدى عشرة ركعة.

ووقته بعد صلاة العشاء إلى دخول وقت صلاة الفجر.

ومن فاته وتره بالليل لعذر فليقضه ما بين طلوع الشمس إلى دخول وقت صلاة الظهر لكنه يشفع الركعة الفرد بركعة أخرى، فإذا كان يوتر بثلاث مثلًا فليجعلها أربعًا.

7-   من فوائد هذه الأحاديث أنه ينبغي الحرص على أداء هذه النوافل والاستمرار عليها، وعدم تركها إلا لعذر، وأن يكون هذا الحرص شاملًا للأهل فيوقظهم ويدربهم على صلاة الليل ليستفيدوا من هذه الأجور العظيمة، وهذا يشعر بضرورة تربية الأسرة على الطاعة والتنافس فيها، فمن فعل ذلك فقد شملته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم  بالرحمة الواردة في الحديث.