بحث عن بحث

الموضوع الأول:

النية أو الإخلاص

عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه  قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».

©  سبب الحديث:

قيل في سبب الحديث: ما رواه وكيع عن الأعمش عن شقيق أنه قال: خطب أعرابي من الحي امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس.

لكن هذه القصة لم تثبت، قال العلامة ابن رجب رحمه الله : «وقد اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس هي كانت سبب قول النبي صلى الله عليه وسلم : «مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا»، وذكر ذلك في كتب المتأخرين، ولم نر لذلك أصلًا يصح».

©  أهمية الحديث:

تعددت أقوال السلف – رحمهم الله تعالى- في بيان أهمية هذا الحديث وعظمته، فجعلوه من أصول الدين وأسسه، يقول الإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله : «لو صنفت كتابًا في الأبواب لجعلت حديث عمر بن الخطاب في كل باب»، وروي عن الإمام الشافعي رحمه الله  أنه قال: «هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين بابًا من أبواب الفقه»، وروي عن الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله  أنه قال: «أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث، - وذكر منها – حديث عمر رضي الله عنه : «ويقول الحافظ ابن رجب رحمه الله : «وبه صدّر البخاري كتابه الصحيح، وأقام مقام الخطبة له، إشارة إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل لا ثمرة له في الدنيا ولا في الآخرة».

©  توجيهات الحديث:

1-   دلَّ الحديث على أهمية النيّة في دين الله تعالى، فالأعمال بحسب نية صاحبها مهما اتحد شكلها ومظهرها، والنية: تميّز العبادات بعضها عن بعض كتميز صلاة  العصر عن الظهر، تمييز العمل هو لله أو لغيره وهو المقصود بالحديث، فيجب على المسلم أن تكون نيته لله سبحانه وتعالى  في جميع أعماله فعلًا أو تركًا.

2-   إن جزاء لأعمال الإنسان بحسب نيته، فإن كانت نية العبد صالحة كان جزاؤه صالحًا، وإن كانت نيته غير صالحة فلا يؤجر على هذا العمل حتى ولو كان عملًا صالحًا. مثال ذلك: الصلاة فإذا صلّى المسلم يريد أداء الواجب وطاعة الله سبحانه وتعالى ، ورجاء ثوابه، وخوف عقابه، كان جزاؤه أجرًا وثوابًا ونال ما يناله المسلم المصلي. ولكن إن صلَّى لا يريد وجه الله تعالى وإنما رياءً للناس، أو خوفًا من والد، أو مجاملة لصديق، فهذا لا يؤجر على صلاته وإنما يعاقب على هذه النية.

3-   إن النية الحسنة تقلب الأعمال المباحة والعادات إلى عبادات يثاب عليها المؤمن، مثل: النوم، والأكل، والشرب، وزيارات الأصدقاء وغيرها، فإن نوى بالنوم – مثلًا التقوي على عبادة الله تعالى كان نومه عباده يؤجر عليها.

جاء ذلك صريحًا في قوله صلى الله عليه وسلم  – أثناء تعداده للصدقات-: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أريتم لو وضعها في حرام ألا يكون عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر».

4-   لعظم أمر هذه النية اهتم بها السلف اهتمامًا كبيرًا، وعظموها في نفوسهم، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : «لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسبة له»، وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه  أنه قال: «لا ينفع قول إلا بعمل، ولا ينفع قول ولا عمل إلا بنية، ولا ينفع قول ولا عمل ولا نية إلا بما وافق السنّة». وروي عن يحيى ابن كثير رحمه الله  أنه قال: «تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل»، وروي عن ابن المبارك رحمه الله  أنه قال: «رُبّ عمل صغير تعظمه النية، ورُبّ عمل كبير تصغره النية».

وأبلغ من هذه الأقوال قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».

5-   على المسلم أن يحذر كل الحذر من أن يعمل عملًا صالحًا بنية فاسدة، أو أن يريد به عرضًا من أعراض الدنيا من رياء أو سمعة أو طلب مال أو وجاهة وقرب من الناس أو غير ذلك، فالأعمال الصالحة حينئذ تنقلب وبالًا على صاحبها، ولا ينال منها إلا التعب في أدائها والفشل والخسارة في نتيجتها، جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن أول مَن تسعّر بهم النار. قارئ القرآن، ومتعلم العلم، والمجاهد، والمنفق، ولكنهم بنوايا فاسدة، قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴿15 أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [هود: 15 – 16].

6-   دلَّ الحديث أيضًا على أن المسلم ينبغي أن يهجر المعاصي والآثام – صغيرها وكبيرها- إلى الطاعات والأعمال الصالحة حتى ينال ثواب الهجرة في سبيل الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والمهاجر من هجر الخطايا والذُّنُوبَ».

7-   من سعادة المرء في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة أن تكون مقاصده حسنة وأعماله صالحة يطلب فيها رضا الله تعالى، ومتمشيًا فيها على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهما شرطا قبول العمل عند الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110].