بحث عن بحث

r   ثامنًا: أثر الدعاء في التربية:

وللدعاء آثار على النفس والمجتمع كما لسائر العبادات والأذكار، ومن أهم هذه الآثار ما يلي:

1 ـــ الدعاء سبب لانشراح الصدر :

وانشراح الصدر والتفاؤل في الحياة من أهم أسباب النجاح والفلاح، لأنه ضد الكسل والعجز، وضد الاستسلام للأماني، قال الله تعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿ قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴾ .

 وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وأعوذ بك من عذاب القبر».

وكان عليه الصلاة والسلام يقول عند الكرب وضيق النفس: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم».

فمثل هذه الأدعية وغيرها، كاف أن يدخل الطمأنينة في نفس الداعية     أو المربّي، ويجدد نشاطه وحركته، ويخفف عنه أعباء العمل والمسؤولية الملقاة على عاتقه.

2 ـــ الدعاء يصنع المربّي المتواضع:

ومن أهم آثار الدعاء أنه يبني الإنسان المتواضع الذي يقف بين يدي خالقه ويبثّ إليه بضعفه وقلة حيلته وافتقاره إلى ما عنده جلّ وعلا، بعكس المتكبرين والمتجبرين الذين ينظرون إلى الناس نظرة استصغار ودونية، قال الله تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾.

3 ــــ الدعاء يذلل الصعاب أمام المربّين :

حين يقدم إنسان على إنجاز أي عمل، أو يقوم بأداء أية رسالة دعوية أو تعليمية أو تربوية، يطلب من الله تعالى التوفيق بالنتائج المرجوة، وأن يدفع عنه الفشل والخسارة وأسبابها، وكان عليه الصلاة والسلام يدعو ويتعوذ بالله من جميع المصائب والمعوّقات التي تحول دون نشر الدعوة وتحقيق الأهداف، وكان يحثّ الصحابة على ذلك، حيث قال: «تعوّذوا بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء».

4 ـــ الدعاء سبب في ثبات الداعية ونجاحه :

كما أن الدعاء يثبت الإنسان عند اللقاء وفي الوغى، كما جاء في قصة داوود وجالوت، قال الله تعالى: ﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَفَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾. فإنه يثبت الإنسان في عمله وفي مسيرته التعليمية والتربوية، ويعينه في الإصرار على تحقيق الأهداف والوصول إلى الغايات المنشودة.

5 ــــ الدعاء يهيئ أجواء النجاح :

حين يدعو الإنسان لنفسه ولإخوانه بالخير والتوفيق، فإنه يسهم في بناء مجتمع خال من الحسد والحقد، وهذا يهيئ الأجواء المناسبة لنجاح العملية التربوية والتعليمية، لأن جميع الناس يتحوّلون إلى عناصر خيّرة وفاعلة، وبالتالي كل واحد يبحث عن أفضل الطرق والمسالك من أجل تحقيق غاياته النبيلة، من بناء أسرة فاضلة ومتآلفة، أو القيام بمشروع اجتماعي يواسي المحتاجين، أو من خلال إبداع أو ابتكار تستفيد منه الأمة في حركتها الحضارية، وهكذا، يقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ .

ويقول صلى الله عليه وسلم: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة؛ عند رأسه ملك موكّل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل».

¡  ¡  ¡

والخلاصة: أن الدعاء بوصفه قاعدة تربوية بذاتها إلا أنه مطلب وضرورة لكل قاعدة من القواعد التربوية السابقة، لأن نجاح كل منها منوط بمدى تواصل المربّي أو الداعية مع الله تعالى وطلب العون منه جلّ وعلا، فكلما كانت هذه العلاقة وطيدة مع الله بالصلاة والدعاء وقراءة القرآن، كلما كلّل الله تعالى الجهود والمساعي بالنجاح وتحقيق الأهداف، وإذا كان حبل التواصل مع الله تعالى بالدعاء ضعيفًا أو منقطعًا، فلن تجنى الثمرات المرجوة من التربية مهما تعددت الوسائل الأخرى، وتوفرت الإمكانات والطاقات.

لذا، فإن على الدعاة والمرّبين وأولياء الأمور أن يجعلوا من هذه القاعدة التربوية رديفًا دائمًا للقواعد الأخرى، فعند القيام بأي عمل تربوي لا بد من اللجوء إلى الله تعالى وطلب التوفيق والسداد منه جلّ وعلا، سواء الداعية مع المدعوين، أو الوالد مع أبنائه، أو المدرس مع طلابه، أو المدير مع موظفيه، أو صاحب العمل مع عمّاله وهكذا.

وبعدها تكفّل الله تعالى بالنتيجة التي ستكون لصالح الجميع في الدارين الأولى والآخرة، لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ.