بحث عن بحث

آثار العمل بهذا المنهج

هذا ما أدّى إليه الاجتهاد في جمع ما ذكره أهل العلم من قواعد منهجية تفيد في فهم السنة النبوية والعمل بها، ولذا أحسب أن من عمل بهذه القواعد، وتحرى الصواب مع الإخلاص والصدق فإن ذلك سيورث له آثارًا عظيمة في سلامة منهجه، وصحة استنباطاته، وعدم انحرافه، وتقليل هفواته.

ومن أهمِّ هذه الآثار:

1- أن يعبد العبد ربه على بصيرة محققًا قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: 108].

ووجه الدَّلالة أن البصيرة هنا عامة مما تعين على وضوح الطريق وسلامة الرؤية في هذه الدعوة، ومنها صحة الاستدلال، وصحة النظر إلى مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحري الصواب في ذلك؛ وبخاصة مع تشعّب الآراء، وكثرة الطوائف، والإدعاءات بأن كلام الحق معه، فإذا ما اتضح المنهج فبسلامته يسلم الاستدلال.

وهذا من أهمِّ العوامل لصحَّة التعبد لله سبحانه وتعالى الذي تنبني عليه سعادة العبد في الدنيا والآخرة.

2- العمل بهذه القواعد يزيد اليقين بكمال هذا الدين وتمام النعمة فيه كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].

ولا يمكن بغير هذه المنهجية أن تتضح هذه اليقينية الكبرى، ويبقى عند ذلك فراغ في مستجدات الحياة لا يوجد لها حكم أو استنباط أو مستند من قاعدة، أو قياس.

3- وبهذه المنهجية تتضح سلامة الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم وعدم الوقوع في البدعة أو الانحراف إلى المناهج الأخرى، وبهذا يتحقق لمتبع هذه المنهجية قوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة»، فهذه المنهجية عاصمة بإذن الله من قواصم الانحراف أيًّا كان نوعه، وبها يتحقق انضمام المسلم إلى الطائفة المنصورة المذكورة في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم»، وعند الترمذي: «وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة»، قال: ومن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي».

وهذا يقود بإذن الله إلى الوصول للحق العاصم من الوقوع في الزلل والانحراف.

4- ومن أعظم الآثار أن يتحقق لمتبع هذه المنهجية تعظيم نصوص الكتاب والسنة، وقوة الهيبة لها كما كان من حال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يُذكر أمر فيه مخالفة مهما كان المخالف.

وبهذا يتحقق العمل بالانقياد والتسليم الوارد بقوله سبحانه: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ[الأحزاب: 36]، وقوله تعالى: ﴿ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].

ولا شكَّ أن العمل بالمنهجية المذكور يقود إلى تعظيم النصوص المؤدية إلى عمق هذا الاستسلام والانقياد.

أما تلك المناهج التي ترفض هذا الاستسلام كليًّا أو جزئيًّا فتلجأ إلى تحكيم عقل أو عرف مجرد، وتعارض بها النصوص فتقع في الانحراف كما وقعت كثير من الطوائف الضالّة.

5- فهم الدين فهمًا صحيحًا إذ إن منهجية الفهم منضبطة بضوابط دقيقة، ومنطلقة من هذه القواعد بخلاف تلك المناهج التي تحكم الأعراف أو العقول البشرية، أو تلغي السنة إلغاءً كليًّا أو جزئيًّا، أو لا تحكم ضوابط دقيقة فيسوقها ذلك إلى غلو في الفهم أو انحراف وتساهل.

وهنا مربط الفرس كما يقال فالقواعد المنهجية تحدد مسارات الفهم الصحيح الذي يقود إلى العمل الصحيح وهو المراد.

6- الوصول إلى علاج المشكلات العلاج الصحيح، لأن الفهم إذا كان مرتكزًا على قواعد صحيحة وسليمة استطاع الناظر فيها أن يحدد العلاج لكل مشكلة والحل لكل نازلة، واستخراج الحكم الصحيح لها، بخلاف ما لو ضعفت هذه القواعد، أو لم يعمل بها أو أهمل بعضها ستتفاقم المشكلات وستزيد وتتفرع.

ومن ثمَّ مخالفة حكم الله سبحانه بإكمال هذا الدين.

7- توحيد الصف، وجمع كلمة المسلمين لأنه لا يمكن للأمة أن تتوحد إلا على المنهاج الصحيح المستقى من الكتاب والسنة، وقد تظافرت الأدلة على ذلك كما في قوله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا[آل عمران: 103]، وقوله عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي».

أما إذا حادت عن هذه المنهجية وتفرقت فكل حزب بما لديهم فرحون، وهذا من أعظم الآفات، وأخطر المهلكات عند ما تنحرف الأمة عن المنهاج الصحيح.

8 – ونختم بالأجر العظيم والثواب الجزيل التي هي الغاية العظمى التي ينشدها المسلم في هذه الحياة، لأنه لا تتحقق الطاعة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم إلا وفق منهجية صحيحة يتعبد العبد بها ربه عز وجل. يقول سبحانه: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [آل عمران: 132].

¡¡¡

تلك إشارات للآثار أردت بها مزيدًا من الاطمئنان لمواصلة طالب السنة في فهمها والعمل بها لكي يصل إلى الغاية المنشودة رضى الله سبحانه وتعالى، وتحقق موعوده في الدنيا والآخرة. حقق الله تعالى جميعًا ذلك.