بحث عن بحث

          أساليب الدعوة

ج- أسلوب التعليم: إن العلم ضروري لكل فرد من أفراد المجتمع، وبالأخص للمسلمين الجدد، فإذا حصلت الاستجابة من المدعو وقبل الدعوة، وجب على الداعي أن يعلمه بما يحتاج من علم شرعي للقيام بمسؤولياته، فقد ثبت عن النبي غ أنه حينما أسلم عمير ابن وهب قال لأصحابه: (فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن)(1)

وقد ثبت في السنة أيضاً أن النبي ﷺ أرسل مصعب بن عمير إلى المدينة لكي يدعو الناس إلى الإسلام ويعلم مسلميهم، فعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ: أَوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ، فَقَدِمَ بِلَالٌ وَسَعْدٌ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم؛ فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، حَتَّى جَعَلَ الْإِمَاءُ يَقُلْنَ: قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. فَمَا قَدِمَ حَتَّى قَرَأْتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فِي سُوَرٍ مِن الْمُفَصَّلِ(2)

 

وكما أرسل وفدًا من الصحابة كانوا يسمون «القراء »إلى رعل وذكوان وبني لحيان لتعليمهم، ولكنهم غدروا بهم فقتلوهم، فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَتَاهُ رِعْلٌ وَذَكْوَانُ وَعُصَيَّةُ وَبَنُو لَـحْيَانَ، فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا، وَاسْتَمَدُّوهُ عَلَى قَوْمِهِمْ، فَأَمَدَّهُم النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِسَبْعِينَ مِن الْأَنْصَارِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُسَمِّيهِم الْقُرَّاءَ يَحْطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، فَانْطَلَقُوا بِهِمْ حَتَّى بَلَغُوا بِئْرَ مَعُونَةَ غَدَرُوا بِهِمْ وَقَتَلُوهُمْ، فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لَحْيَانَ. قَالَ قَتَادَةُ: وَحَدَّثَنَا أَنَسٌ: أَنَّهُمْ قَرَءُوا بِهِمْ قُرْآنًا: أَلَا بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا بِأَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا، ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ بَعْدُ(3)

 

د - أسلوب التربية: إن هذا الأسلوب يندرج فيما قبله ولكن ذكرناه مفردًا لأهميته، فنذكره بشيء من التفصيل. فمن التربية:

- التربية بالحدث: بمعنى أن الإنسان تمر عليه أحداث ووقائع، فينبغي للداعي أن يستغلها للتربية، ومن ذلك التزود بالصبر والتقوى الذين هما عدة المؤمن للتغلب على الصعاب، فقد سار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على هذا في غزواته، فمثلاً في غزوة بدر ابتلي الصحابة ابتلاءً شديداً حيث هم خرجوا لمقابلة العير، أي: عير أبي سفيان، ولكن وجدوا الموقف موقف حرب، فثبتوا في هذا الابتلاء وحازوا رضا الرب تبارك وتعالى، وفازوا بالأجر العظيم حتى قيل لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفر لكم، كما جاء في الحديث عَن عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَكُلُّنَا فَارِسٌ. قَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِن الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِن حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى المُشْرِكِينَ. فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. فَقُلْنَا: الْكِتَابُ؟ فَقَالَتْ: مَا مَعَنَا كِتَابٌ. فَأَنَخْنَاهَا فَالْتَمَسْنَا فَلَمْ نَرَ كِتَابًا، فَقُلْنَا: مَا كَذَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ. فَلَمَّا رَأَت الْجِدَّ أَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتْهُ، فَانْطَلَقْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله قَدْ خَانَ الله وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ حَاطِبٌ: وَالله مَا بِي أَنْ لَا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِالله وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ الله بِهَا عَن أَهْلِي وَمَالِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِن أَصْحَابِكَ إِلَّا لَهُ هُنَاكَ مِن عَشِيرَتِهِ مَن يَدْفَعُ الله بِهِ عَن أَهْلِهِ وَمَالِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: صَدَقَ، وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ الله وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَقَالَ: أَلَيْسَ مِن أَهْلِ بَدْرٍ؟ فَقَالَ: لَعَلَّ الله اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُم الْجَنَّةُ، أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَم(4)

وكانت هذه الفئة من الصحابة قد رباهم النبي صلى الله عليه وسلم على الإيمان أحسن تربية، لذا يناجي الله فيقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فعن عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللهمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِن أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَن مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِن وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ. فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ فَأَمَدَّهُ الله بِالْمَلَائِكَةِ (5). الحديث.

 

وكذلك في غزوة أحد، والخندق، وصلح الحديبية، وحنين، وتبوك وغيرها، ومن أهم الدروس التربوية فيها: أن عاقبة المعصية وخيمة، وأن مخالفة الأوامر، والاختلاف، يؤديان إلى الفشل. وقد قال تعالى في محكم تنزيله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٤٥﴾وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿٤٦﴾ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ ۚ وَاللَّـهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [سورة الأنفال :45-47]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السيرة النبوية لابن هشام, 2/308.

(2) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب: مقدم النبي غ وأصحابه، برقم: (3925).

(3) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب: العون بالمدد، برقم: (3064).

(4) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب: فضل من شهد بدرًا، برقم: (3983).

(5) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، برقم: (1763).